
من خطاب سياسي إلى سياسة تهجير: تجربة “الهجرة الطوعية” في غزة
لم يكن إعلان وزير الأمن الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، مطلع عام 2025 عن إنشاء “مديرية خاصة لتسهيل المغادرة الطوعية لسكان غزة” مجرد تصريح عابر، بل شكّل تحوّلًا واضحًا لفكرة التهجير من هامش الخطاب السياسي المتطرف إلى قلب السياسة الرسمية المعلنة. وأكدت وزارة الأمن لاحقًا أن المديرية ستوفر “حزمة شاملة” للراغبين في المغادرة، تشمل ترتيبات بحرية وجوية وبرية، بالتنسيق مع دول ثالثة، ما منح الفكرة إطارًا رسميًا مؤسساتيًا.
على الأرض، بدأ نشاط جهات غير حكومية يتقاطع مع هذا التوجه، أبرزها مؤسسة «المجد أوربا». هذه المؤسسة التي تقدّم نفسها كفاعل إنساني نشطت في تنظيم رحلات جوية نقلت مئات الفلسطينيين من غزة إلى دول بعيدة عبر مسارات غير مألوفة، وبالتنسيق مع جهات إسرائيلية رسمية، ما أثار جدلًا سياسيًا وقانونيًا حول طبيعة عملها واستقلاليتها.
تحقيقات صحافية، أبرزها نشرته صحيفة هآرتس، كشفت تناقضات في تعريف المؤسسة لنفسها وغياب سجل رسمي لها في ألمانيا أو القدس، إضافة إلى موقع إلكتروني حديث غير مكتمل. الأهم، أنها الجهة الوحيدة التي حصلت على موافقة رسمية من مديرية الهجرة الإسرائيلية لتنظيم رحلات خروج من غزة، ما يطرح تساؤلات حول علاقتها بالسلطات الإسرائيلية.
بين مايو ونوفمبر 2025، نظمت المؤسسة ثلاث رحلات جوية نقلت مئات الفلسطينيين إلى دول مثل إندونيسيا وجنوب أفريقيا، بعد مراحل نقل عبر مطار رامون وحافلات إسرائيلية دون ختم جوازات السفر، ما سبب مشكلات قانونية لدى الوصول. طُلب من المسافرين دفع مبالغ مرتفعة وحمل أمتعة محدودة، وشهدت التجربة تفاوتًا كبيرًا بين من نجح في المغادرة ومن بقي ينتظر أو تراجع عن الفكرة بسبب الكلفة والضبابية.
ويرى خبراء القانون الدولي أن وصف هذه العمليات بـ“المغادرة الطوعية” لا يستقيم، إذ يحظر القانون الدولي الإنساني النقل القسري للسكان سواء بالقوة المباشرة أو عبر خلق ظروف معيشية تدفعهم للرحيل، معتبرين أن حرية الاختيار لا تُقاس بمعزل عن البيئة المحيطة بالقرار. من جهتها، أعربت دول الاستقبال مثل جنوب أفريقيا وإندونيسيا عن دهشتها وبدأت تحقيقات لمراجعة الرحلات، خشية أن تتحول المبادرات الإنسانية إلى مسارات تهجير منظمة.
تجربة “الهجرة الطوعية” في غزة تكشف كيف يمكن للسياسات الرسمية، بالتعاون مع بعض الفاعلين المدنيين، أن تتحوّل إلى أدوات لإعادة تشكيل الواقع السكاني تحت ذريعة الاختيار الفردي، في سياق حرب تُدمَّر فيه مقومات الحياة، مما يفتح نقاشات عميقة حول المسؤولية القانونية والأخلاقية لكل الأطراف.