
منتخبو “البام” بمراكش بين خطاب النزاهة وتداعيات المتابعات القضائية
بين منصة الخطابة وقرارات المحاكم، تتقاطع اليوم مسارات السياسة والقضاء في مراكش. فخلال المؤتمر الوطني الخامس لحزب الأصالة والمعاصرة سنة 2024، شددت فاطمة الزهراء المنصوري على مفاهيم النزاهة وتخليق الحياة العامة، باعتبارها شروطاً أساسية لممارسة العمل السياسي. غير أن تطورات السنتين الأخيرتين وضعت التجربة المحلية للحزب في المدينة تحت ضغط غير مسبوق، مع توالي متابعات قضائية وأحكام طالت عدداً من المنتخبين.
أحدث هذه التطورات تمثل في توقيف عبد العزيز الباز، الذي كان يشغل مهام الأمين المحلي للحزب بالمنارة ونائب رئيس المقاطعة، على خلفية قضية تلبس بتلقي مبلغ مالي من منعش عقاري، وفق المعطيات المتداولة. عملية التوقيف، التي جرت أواخر فبراير 2026، أثارت جدلاً واسعاً، خاصة بعد الحديث عن ضبط المعني بالأمر داخل سيارة تابعة لمؤسسة عمومية. الواقعة فتحت باب التساؤلات حول تدبير ملفات التعمير، باعتباره من أكثر القطاعات حساسية وتشابكاً مع المصالح الاقتصادية.
القضية لم تكن معزولة عن سياق عام، إذ سبقتها ملفات أخرى شغلت الرأي العام المحلي منذ انتخابات 2021. من بينها متابعة محمد نكيل، رئيس مقاطعة سيدي يوسف بن علي، في ملف مرتبط بتدبير “كازينو السعدي”، والذي انتهى بحكم قضائي بالحبس النافذ. كما أدين السعيد آيت المحجوب، النائب الأول لرئيس مقاطعة جليز، بثلاث سنوات سجناً نافذاً بتهم تتعلق بالارتشاء واستغلال النفوذ، فيما طالت المتابعات عبد العزيز مروان في الملف نفسه.
وفي سياق متصل، أثيرت سنة 2025 قضية تلبس طالت نرجس أشمال، رئيسة لجنة التعمير بمقاطعة المدينة، قبل أن تُستكمل المسطرة القضائية في حقها. كما أدين عباس قدوري، رئيس جماعة أغمات، بسنتين حبسا نافذاً في ملف مرتبط بتدبير صفقات ومحررات رسمية.
تراكم هذه القضايا وضع القيادة المحلية والجهوية للحزب أمام تحدٍ سياسي واضح، يتمثل في كيفية التعامل مع تداعياتها، سواء على مستوى الخطاب أو على مستوى آليات الانتقاء والمراقبة الداخلية. كما أعاد النقاش حول المسؤولية السياسية إلى الواجهة، خاصة مع تولي بعض الأسماء مواقع مؤثرة في تدبير قطاعات استراتيجية، وفي مقدمتها التعمير.
في المقابل، تؤكد قيادة الحزب أن ما جرى يظل في إطار مسؤوليات فردية، وأن القضاء هو الجهة المخول لها الفصل في الاتهامات، مشددة على احترام قرينة البراءة إلى حين صدور أحكام نهائية. غير أن توالي الملفات يجعل التجربة السياسية للحزب في مراكش أمام محطة دقيقة، حيث تتقاطع الاعتبارات القانونية مع رهانات الثقة العامة.
اليوم، يظل مسار التحقيقات والأحكام القضائية هو المحدد الأساسي لمآلات هذه القضايا. وبين خطاب الإصلاح وواقع المتابعات، تبقى مراكش أمام مرحلة اختبار حقيقي لمدى قدرة الفاعلين السياسيين على ترسيخ مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، في مدينة تمثل واجهة حضرية وسياحية ذات رمزية خاصة على الصعيد الوطني.