
جبال الذهب المنهوب… من يحمي مافيا التنقيب بسكساوة؟
في قلب جبال سكساوة وآيت حد يوس بإقليم شيشاوة، تتعرض ثروات وطنية ثمينة للنهب المنظم، في مشهد صادم يجمع بين الجشع، التواطؤ، واللا مبالاة. أكثر من 140 آلة تقليدية تُستخدم في التنقيب العشوائي عن الذهب، وسط تضاريس جبلية وعرة، لكنها ليست بمعزل عن أعين السلطات. فكل شيء يجري في العلن: المعدات تُنقل على مرأى من الجميع، تُنصّب في الشعاب والمنازل، وتشتغل ليلًا ونهارًا، دون أي ترخيص أو تدخل يُذكر.
هذه الأنشطة، التي تتسبب في تدمير منهجي للتربة واستنزاف الموارد الطبيعية، ما هي إلا وجه آخر من أوجه الاقتصاد الموازي، القائم على الفوضى، واستغلال ضعف الدولة، بل ربما تستر بعض أجهزتها.
المثير للدهشة، بل للغضب، أن الجهات الأمنية التي يُفترض بها حماية القانون والبيئة والمواطن، تلتزم صمتًا مريبًا. فالقيادة الجهوية للدرك الملكي بمراكش، وسرية الدرك بشيشاوة، والمركز الترابي بإيمينتانوت، جميعها تبدو غائبة تمامًا، إن لم نقل مُتغاضية عمدًا.
أسئلة محرجة في وجه الصمت
كيف يُعقل أن تُنقل معدات ثقيلة ومولدات كهربائية إلى منطقة مأهولة بالسكان، وتُستخدم في عمليات تنقيب سرية عن الذهب، دون أن يُحرَّك ساكن؟ من سمح بمرور هذه التجهيزات؟ من يوفّر الغطاء؟ من يتواطأ بالصمت؟ ولماذا يبدو الدرك المحلي خارج الخدمة، كأن الأمر لا يعنيه؟
هذه الأسئلة باتت تُطرح بصوت عالٍ من قبل الساكنة وهيئات المجتمع المدني، التي طالبت بإيفاد لجنة تحقيق مستقلة، لا تنتمي إلى نفوذ الإقليم، للوقوف على حقيقة ما يجري، وتحديد المسؤوليات بوضوح، بعيدًا عن المجاملات أو التسويات الداخلية.
استغلال بشري ومعاناة في الظل
المنقبون عن الذهب ليسوا فقط من محترفي التهريب، بل من أبناء المنطقة أنفسهم، الذين يُستغلون في ظروف عمل قاسية، دون أي حماية صحية أو اجتماعية. يعملون بأجور زهيدة، معرضين للإصابة أو الوفاة، دون أي تغطية تأمينية أو تدخل طبي، وكأن أرواحهم لا تساوي شيئًا.
ولأن الحوادث لا تُوثّق، والمآسي تُغطى بالصمت، تبقى الحقيقة مدفونة تحت الأنقاض، وتستمر الانتهاكات في الخفاء، بحماية من الصمت الممنهج.
الإعلام الوطني… غائب كليًا
مما يفاقم الأزمة، الغياب شبه التام لوسائل الإعلام الوطنية، التي لم تُخصص أي تغطية حقيقية لما يجري، وكأن نهب الذهب وتدمير البيئة في سكساوة وآيت حد يوس لا يدخل ضمن اهتماماتها. هذا الصمت الإعلامي لا يقل خطورة عن صمت السلطات، لأنه يُسهم في استمرار الفوضى بعيدًا عن الرأي العام، ويمنح الواقفين خلفها المزيد من الغطاء.
ما المطلوب؟
الواقع اليوم لا يحتاج إلى تقارير دورية أو بلاغات إنشائية، بل إلى تحرك حازم وفوري من أعلى مستويات الدولة، لوضع حدٍّ لهذا الاستنزاف، ومحاسبة كل مسؤول تورط بالصمت أو التواطؤ. كما أن المنطقة في أمسّ الحاجة إلى مشاريع تنموية بديلة، تُعيد الاعتبار للساكنة، وتمنحهم أفقًا اقتصاديًا مشروعًا، بعيدًا عن الحفر في الجبال ومطاردة السراب.
فما يحدث ليس فقط سرقة للذهب، بل سحق يومي لكرامة الإنسان، وتخريب مقصود للطبيعة، وتهاون خطير في مسؤولية الدولة. السكوت لم يعد مقبولًا. والمحاسبة لم تعد خيارًا، بل واجبًا وطنيًا عاجلًا.