
بنطلحة الدكالي: المغرب وإسبانيا.. حين تصطدم الرؤية الاستراتيجية بالمزايدات السياسية
شهدت إسبانيا، خلال الفترة الأخيرة، تصعيدا لافتا في الخطاب السياسي تجاه المغرب بعد الأحداث التي عرفتها سبتة في نهاية يوليوز، حين حاول عشرات الآلاف من المهاجرين الوصول إلى المدينة في موجة جماعية غير مسبوقة.
وتحولت الأزمة سريعا من ملف أمني متعلق بالهجرة يستدعي تحديد الوقائع والمسؤوليات إلى موضوع للصراع السياسي الداخلي، وأصبح المغرب ورقة في الصراع مع الحكومة والمزايدات بين الأحزاب، قبل أن تمتد تداعيات الأزمة إلى البرلمان والمؤسسات الأوروبية والعلاقات الرسمية بين البلدين.
هذا المناخ دفع وزارة الخارجية المغربية إلى إصدار بلاغ شديد اللهجة انتقدت فيه استمرار بعض الأوساط السياسية والإعلامية الإسبانية في توظيف المغرب لخدمة أجندات داخلية، واستغربت انجرار أحزاب عريقة وذات تجربة في الحكم إلى مزايدات غير عقلانية وشعبوية.
كما عبرت عن أسفها لوصول آثار هذا المناخ إلى مؤسسات تشريعية وقضائية من خلال مبادرات اعتبرتها غير موفقة ومغذية للخلاف. وكان التعبير الأكثر دلالة في البلاغ رفض المغرب أن يتحول إلى مادة انتخابية أو «كبش فداء» لتصفية الحسابات السياسية الإسبانية.
ولم يأت هذا الموقف من فراغ. فقد رفع الحزب الشعبي لهجته تدريجيا، ووصل ألبرتو نونييث فيخو إلى الحديث عن احتمال تعرض إسبانيا لـ«غزو» وعن استخدام القوات المسلحة لتحصين الحدود في ظروف مماثلة، بينما ذهب Vox إلى المطالبة بتعليق معاهدة الصداقة وحسن الجوار، واستعمل تعبيرات من قبيل «الحرب الهجينة» و«الغزو الترابي»،
وسعى إلى نقل هذه القراءة إلى مؤسسات الاتحاد الأوروبي. ولم تقتصر الانتقادات على اليمين، إذ صدرت عن قوى في اليسار أيضا مواقف تحمل السلطات المغربية قدرا من المسؤولية وتطالب بإعادة النظر في جوانب من العلاقة مع الرباط.
وفي خضم هذا التصعيد عاد خوسيه ماريا أثنار إلى واجهة العلاقة مع المغرب، وهي علاقة ارتبط اسمه بإحدى أكثر أزماتها حدة عندما كان رئيسا للحكومة خلال أزمة جزيرة ليلى سنة 2002.
فقد انتقل في 27 غشت إلى سبتة، والتقى رئيس المدينة خوان فيفاس، واعتبر أن السلامة الترابية لإسبانيا تعرضت للانتهاك، مؤكدا أن «الدفاع عن السيادة الوطنية لا يعرف عطلة»، كما طالب بسياسة خارجية أكثر حزما لا تترك إسبانيا، حسب تعبيره، عرضة للابتزاز.
وتحدثت مصادر من داخل قيادة الحزب الشعبي عن دور لعبه أثنار خلف الكواليس في بلورة موقف الحزب من أزمة سبتة وعن نصيحته لقيادة فيخو بتشديد لهجتها تجاه المغرب.
ويحمل دخول أثنار على الخط دلالة تتجاوز شخص رئيس حكومة سابق، لأنه يمثل داخل اليمين الإسباني إرثا سياسيا ارتبط بفترات من التوتر والمواجهة مع المغرب، ويمنح حضوره هذا التيار مرجعية للضغط على القيادة الحالية للحزب الشعبي، بينما يدفع Vox نحو سقف أعلى من التصعيد.
ويجد الحزب الشعبي نفسه بذلك أمام منافسة على من يبدو أكثر تشددا تجاه الرباط، في وقت يخوض فيه مواجهة سياسية وانتخابية مفتوحة مع بيدرو سانشيز. وتجاوز التوتر التصريحات الحزبية إلى المجال الدبلوماسي، باستدعاء الخارجية الإسبانية السفيرة المغربية للاحتجاج على تصريحات مرتبطة بسبتة ومليلية.
غير أن الاتهامات الموجهة إلى المغرب ظلت تطرح سؤالا أساسيا حول الأدلة التي تستند إليها. فالرباط طالبت بمعطيات ووقائع وتقارير تثبت مسؤولية السلطات المغربية عن عملية العبور الجماعي، فيما ظلت ملابسات ما جرى قبل الأحداث وأثناءها في حاجة إلى تحقيق كامل.
وفي المقابل أعلن المغرب استعداده رسميا لإعادة استقبال المهاجرين غير النظاميين، وطالب بإعادة القاصرين غير المصحوبين إلى أسرهم، متسائلا عن أسباب عدم إعادتهم رغم هذا الالتزام.
ولم يبق هذا المناخ داخل المؤسسات والإعلام. فقد شهدت مدن إسبانية مظاهرات رفعت خلالها بكثافة الأعلام الإسبانية وشعارات تتحدث عن «الغزو»، وسجلت في سبتة محاولات للاعتداء على مهاجرين. ووصل صدى الأزمة إلى كرة القدم، إذ رفعت في ملعب سانتياغو برنابيو أعلام إسبانية وأعلام سبتة،
ورددت جماهير شعار «سبتة لا تباع، بل يدافع عنها»، فيما شهد محيط الملعب إحراق أعلام مغربية وهتافات عنصرية ومعادية للمسلمين من طرف مجموعات من الألتراس. وهي مشاهد تعكس انتقال الاحتقان السياسي إلى الشارع واتخاذه أحيانا طابعا عدائيا تجاه المغرب.
وفي 10 شتنبر صادق مجلس النواب الإسباني على مقترح منح الجنسية الإسبانية للصحراويين المولودين تحت الإدارة الإسبانية، في خطوة تمس أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين المغرب وإسبانيا.
ولم يقتصر التصويت على أبعاده القانونية، فقد رافقه خطاب سياسي مغلف بإثارة العواطف، كانت تيش سيدي، ذات الأصول الموريتانية والمولودة في مخيمات تندوف، من أبرز وجوهه.
وقد غادرت المخيمات في طفولتها إلى إسبانيا ضمن برامج استقبال الأطفال الصحراويين، قبل أن تستقر هناك بصورة دائمة لدى أسرة إسبانية. وقدمت المبادرة باعتبارها استعادة لحقوق وهوية سلبتهما إسبانيا من الصحراويين عند خروجها من الإقليم، وشبهت وضعهم بمن ظلوا خمسين عاما عالقين في «صالة انتظار»، مستحضرة فيلم The Terminal.
وامتد هذا البعد إلى رئيسة مجلس النواب فرانثينا أرمينغول، التي أشادت بها سيدي وذكرت بأنها سبق أن كانت أما حاضنة لطفلتين صحراويتين، معتبرة أن «استضافة طفل صحراوي عمل سياسي».
كما نسبت إليها دورا مهما في دفع المشروع داخل المعسكر الاشتراكي. وبلغ الاستقطاب ذروته عندما أعلنت سيدي أن «الامتناع أو التصويت بالرفض يعني الوقوف إلى جانب المغرب».
واكتمل المشهد بحضور صحراويين وممثلين عن جبهة البوليساريو في شرفة الضيوف داخل مجلس النواب. وهكذا تجاوز النقاش مسألة الجنسية في بعدها القانوني، واستحضرت فيه الذاكرة الاستعمارية والتجارب الشخصية والمواقف من نزاع الصحراء، بما يحمله ذلك من حساسية مباشرة في العلاقة مع المغرب.
وهكذا أصبح المغرب حاضرا في صراعات سياسية متناقضة؛ فالحزب الشعبي يوظف العلاقة معه لمهاجمة سانشيز، ويزايد Vox مطالبا بمزيد من التشدد، فيما تستحضر قوى على يسار الاشتراكيين قضية الصحراء للضغط على الحكومة من اتجاه آخر، ويضيف أثنار ثقله داخل اليمين إلى الدعوات المطالبة بسياسة أكثر حزما تجاه الرباط.
ومن هنا تظهر بعض مواطن الضعف في الممارسة الديمقراطية الإسبانية، وهي تجربة حققت خلال نصف قرن تحولا تاريخيا كبيرا، لكنها تظل حديثة نسبيا قياسا بتجارب أوروبية أقدم. فقبل خمسين سنة فقط كانت إسبانيا تحت حكم الجنيرال فرانسيسكو فرانكو، الذي أقام بعد الحرب الأهلية نظاما سلطويا استمر من 1939 إلى وفاته في نوفمبر 1975، وكان قد اختار خوان كارلوس سنة 1969 ليخلفه على رأس الدولة.
وجرى الانتقال بعد ذلك بصورة تدريجية ومن خلال تسويات شاركت فيها قوى آتية من النظام السابق وأخرى من المعارضة، إلى جانب ضغط اجتماعي واسع، ثم جاءت انتخابات 1977 ودستور 1978 لتؤسسا الملكية البرلمانية الحالية.
وظلت الديمقراطية الجديدة خلال سنواتها الأولى تحت ضغط الإرهاب والعنف السياسي والتوتر داخل أجزاء من المؤسسة العسكرية، إلى أن بلغت الأزمة ذروتها في 23 فبراير 1981، عندما اقتحم أنطونيو تيخيرو ورجاله المسلحون مجلس النواب أثناء جلسة تنصيب رئيس الحكومة، وأطلقوا النار داخل القاعة واحتجزوا النواب والوزراء، بينما تحركت وحدات عسكرية في فالنسيا ونزلت الدبابات إلى الشوارع.
تجاوزت إسبانيا تلك المرحلة ورسخت خلال العقود التالية التداول السلمي على السلطة والحريات العامة والمؤسسات الدستورية والاندماج الأوروبي. غير أن الممارسة الديمقراطية أفرزت مع الزمن تحديات من نوع آخر، مع اشتداد الاستقطاب وتفتت الخريطة الحزبية وصعود الشعبوية، ودخول بعض ملفات الدولة ذات البعد الاستراتيجي في حسابات حزبية وانتخابية ظرفية.
وقد تعمق هذا الاتجاه مع انتهاء مرحلة الهيمنة شبه الثنائية للحزب الاشتراكي والحزب الشعبي، وصعود Podemos ثم Sumar وVox، وتزايد وزن الأحزاب الإقليمية في تشكيل الأغلبيات.
وأصبحت الحكومات أكثر اعتمادا على التحالفات، واشتدت المنافسة داخل اليمين وداخل اليسار إلى جانب المنافسة التقليدية بينهما، فوجدت قضايا السياسة الخارجية بدورها طريقها إلى هذه المنافسة، وكانت العلاقة مع المغرب من أكثرها حضورا.
لكن حجم المصالح التي تراكمت بين البلدين يجعل هذه العلاقة أكبر من أن تختزل في خلاف سياسي أو أزمة عابرة. فقد نسج المغرب وإسبانيا خلال العقود الماضية شبكة واسعة من التعاون، وأصبحت إسبانيا الشريك الاقتصادي الأول للمغرب، إلى جانب ما يجمعهما في مجالات الأمن والهجرة والاستثمار.
وأظهر المسار الذي بدأ مع الإعلان المشترك في 7 أبريل 2022 أن هذه العلاقة قادرة على التطور عندما تستند إلى الحوار والثقة والرؤية بعيدة المدى.
وهنا يظهر أحد اختبارات نضج الديمقراطية. فإسبانيا التي واجهت في بدايات انتقالها الديمقراطي انقلاب 23 فبراير 1981، تواجه اليوم تحديات مختلفة، من بينها الاستقطاب والشعبوية والمزايدة الحزبية، وما قد يترتب عليها من إخضاع قضايا تتصل بمصالح الدولة بعيدة المدى لحسابات انتخابية عابرة.
ومن هنا تكتسب عبارة «العمى الاستراتيجي» الواردة في البلاغ المغربي دلالتها. فالحكومات والأغلبيات تتغير، بينما تبقى الجغرافيا والمصالح المشتركة. والعمل الاستراتيجي يقتضي النظر إلى العلاقة مع المغرب في امتدادها الأوسع، وإدارة الخلافات من دون أن تتحول إلى قطيعة أو تهدم ما راكمه البلدان من تعاون. فالمغرب وإسبانيا محكومان بالجوار، والرهان الحقيقي هو تحويل هذا الجوار إلى رصيد يخدم مصالح البلدين على المدى البعيد.
تحرير من طرف محمد بنطلحة الدكالي
في 13/09/2026