
الوعود الانتخابية بين الحسابات المالية ورهانات الأحزاب.. خبراء يحذرون من المبالغة ويدافعون عن واقعية البرامج
دخلت الوعود الانتخابية للأحزاب السياسية مرحلة الاختبار، وسط نقاش اقتصادي حول مدى قدرتها على التحول من التزامات معلنة إلى إجراءات قابلة للتنفيذ، في ظل تحديات الميزانية والمديونية وحاجيات الاقتصاد الوطني.
وفي الوقت الذي يحذر فيه الخبير الاقتصادي محمد جدري من وعود انتخابية قد تتجاوز الإمكانات المالية المتاحة، يرى الخبير المهدي فقير أن تقييم البرامج لا ينبغي أن يقتصر على الأرقام الحالية، بل يجب أن يأخذ بعين الاعتبار خيارات التمويل وإعادة ترتيب الأولويات التي يمكن أن تعتمدها الحكومة المقبلة.
جدري: وعود تحتاج إلى مصادر تمويل واضحة
حذر محمد جدري، الخبير الاقتصادي ومدير مرصد العمل الحكومي، من أن عددا من الوعود التي تقدمها الأحزاب خلال الحملة الانتخابية قد يصعب تنفيذها في ظل الوضع المالي والاقتصادي الراهن.
وأكد أن تقديم الالتزامات الانتخابية ينبغي أن يكون مصحوبا بتوضيحات دقيقة حول كلفتها ومصادر تمويلها وكيفية تنزيلها، حتى يتمكن الناخبون من التمييز بين الوعود القابلة للتحقيق وتلك التي تظل أقرب إلى الخطاب السياسي.
وأشار جدري إلى أن رفع الدعم الاجتماعي المباشر إلى 1000 درهم، على سبيل المثال، قد يكلف خزينة الدولة نحو 24 مليار درهم إضافية، وهو ما يطرح، بحسبه، تحديات بشأن القدرة على تمويل هذا الالتزام بشكل مستدام.
كما اعتبر أن الوعود المتعلقة برفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 3000 درهم تواجه صعوبات كبيرة، بالنظر إلى وضعية صناديق التقاعد، إضافة إلى الوعود المتعلقة بتخفيض الضريبة على الدخل من 37 إلى 20 في المائة، والتي ستنعكس بدورها على موارد الدولة.
ويرى جدري أن الجمع بين خفض عجز الميزانية وتقليص المديونية، والاستمرار في تمويل الاستثمار، ورفع الإنفاق العمومي بشكل كبير، يتطلب تقديم تصور متكامل يوضح كيفية تحقيق التوازن بين مختلف هذه الأهداف.
وحذر الخبير الاقتصادي من تحول بعض الوعود إلى مجرد وسيلة لـ«دغدغة مشاعر المغاربة»، داعيا الأحزاب إلى الكشف عن الآليات العملية التي ستعتمدها لتنفيذ التزاماتها.
فقير: لا ينبغي تبخيس البرامج الانتخابية
في المقابل، دعا الخبير الاقتصادي المهدي فقير إلى التعامل مع البرامج الانتخابية باعتبارها التزامات سياسية ينبغي تقييمها في سياقها، وعدم إصدار أحكام نهائية عليها اعتمادا فقط على المؤشرات الاقتصادية الحالية.
ولفت إلى أن البرامج الانتخابية الحالية تعرف، مقارنة بتجارب سابقة، انتقالا نحو تقديم التزامات أكثر دقة وارتباطا بالأرقام، معتبرا أن هذا التطور يعكس نوعا من النضج في الممارسة السياسية والانتخابية.
وأوضح فقير أن وجود تحفظات اقتصادية على بعض الوعود أمر طبيعي، لكن ذلك لا يعني بالضرورة استحالة تنفيذها، إذ يمكن للحكومة المقبلة اتخاذ قرارات سياسية وإعادة ترتيب الموارد بما يسمح بتمويل عدد من الالتزامات.
وضرب مثالا بالدعم الاجتماعي المباشر، معتبرا أن رفع قيمته إلى 1000 درهم يمكن أن يصبح ممكنا في إطار إعادة النظر في آليات الاستهداف وتوجيه الموارد نحو الأسر المستحقة، مع إمكانية اعتماد خيارات مالية وسياسية جديدة.
كما أشار إلى بعض الوعود المرتبطة بقطاع الكهرباء، موضحا أن بعض الإجراءات الاجتماعية يمكن تمويلها من خلال آليات تضامنية تستهدف المستهلكين الكبار، بما يسمح بتخفيف الأعباء عن الفئات ذات الاستهلاك المحدود.
الأرقام وحدها لا تكفي للحكم
ويرى فقير أن الحكم على أي برنامج انتخابي لا ينبغي أن يتم فقط عبر مقارنة قيمة الالتزامات بالموارد المتاحة في الوقت الراهن، بل يجب أيضا النظر إلى السياسات والقرارات التي يمكن للحكومة المقبلة اعتمادها لإعادة توزيع الموارد وتوفير التمويل.
وشدد في المقابل على أن ذلك لا يعني منح أي حزب «صك غفران»، مؤكدا أن المسؤولية السياسية عن الوعود تظل قائمة على عاتق الأحزاب التي تقدمها أمام الناخبين.
كما رفض تبخيس الجهد الذي بذلته الأحزاب في إعداد برامجها، مشيرا إلى أن العديد منها يضم أطرًا وخبرات راكمت تجربة في الإدارة وتدبير الشأن العام والمجالات الاقتصادية والاجتماعية.
ويبرز هذا النقاش أن الانتخابات المقبلة لا تضع الأحزاب أمام تحدي تقديم وعود جذابة فحسب، وإنما أمام ضرورة إقناع الناخبين بقدرتها على تمويلها وتنفيذها، في ظل استمرار النقاش حول التوازنات المالية للدولة.