الجزائر بين وعود النمو والواقع الاقتصادي: تبون والإحصاءات الدعائية

0

في 18 فبراير 2026، أثار إعلان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون عن وصول الناتج الداخلي الخام للجزائر إلى 400 مليار دولار بحلول عام 2027 موجة واسعة من التساؤلات. فالرقم الكبير يبدو في الظاهر علامة على ازدهار اقتصادي، لكنه في الواقع يختبئ وراءه خليط من الحسابات الإحصائية المثيرة للجدل، والدعاية السياسية المكثفة، ورهانات محفوفة بالمخاطر على الاقتراض الخارجي، في بلد ما زال اقتصاده يعتمد بشكل شبه كامل على المحروقات.

منذ توليه السلطة، ركز تبون خطاباته على الإصلاح الاقتصادي، مؤكداً أن الناتج الداخلي الخام ارتفع تدريجياً من أقل من 200 مليار دولار إلى نحو 265 مليار دولار. ورغم هذا التصاعد المعلن، لم ينعكس أي تحسن ملموس في القطاعات الإنتاجية أو في مستوى المعيشة اليومي للمواطنين. فالبطالة البنيوية لا تزال مرتفعة، والاعتماد على المحروقات طاغٍ، والقدرة الشرائية للسكان تحت ضغط مستمر، ما يجعل النمو المعلن أكثر دعاية من كونه واقعاً اقتصادياً ملموساً.

لتحقيق الرقم الطموح المعلن، يتطلب الأمر نمواً سنوياً مزدوج الرقم، وهو معدل بعيد عن قدرات الاقتصاد الجزائري الفعلية، إذ تشير تقديرات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى نمو يقارب 3٪ سنوياً فقط. وبذلك، يبدو الهدف الرئاسي صعب التحقيق، إن لم يكن مستحيلاً من الناحية الحسابية.
الاقتصاد الإحصائي والتلاعب بالبيانات.

تعتمد استراتيجية تبون على أدوات إحصائية تضخم الناتج الداخلي الخام دون أثر حقيقي على الإنتاج الوطني. أحد أهم الأساليب هي إعادة التقييم الاقتصادي، والتي تشمل تحديث السنة المرجعية لحساب الثروة الوطنية وضم قطاعات جديدة مثل التكنولوجيا الرقمية والاتصالات والخدمات. هذا التغيير قد يزيد الناتج الظاهري دون رفع الإنتاج الفعلي.

كما يشمل الأمر إدماج الاقتصاد غير المهيكل، الذي يعمل غالباً خارج النظام الضريبي والبنكي، مما يؤدي إلى زيادة رقمية في الناتج دون خلق ثروة حقيقية. بالإضافة إلى ذلك، قد يتم توظيف تقلبات سعر الصرف بين الدينار الجزائري والدولار لتضخيم الناتج المقوم بالدولار بشكل مصطنع، وهو أمر سبق أن شهدته دول أفريقية مثل نيجيريا عام 2014، حيث ارتفع الناتج ظاهرياً قبل أن تكشف الأزمات الاقتصادية هشاشة هذا النمو.

الدين كرافعة استراتيجية
يبدو أن الهدف من الإعلان عن 400 مليار دولار يتجاوز الدعاية المحلية، فهو يرتبط أيضاً بإمكانية تعزيز القدرة على الاقتراض الدولي. ارتفاع الناتج الداخلي الخام يحسن مؤشرات الجدارة الائتمانية ويسهل الوصول إلى التمويل الخارجي. هذه الاستراتيجية تتناقض مع الموقف التاريخي للرئيس من الديون الخارجية، التي كان يعتبر رفضها رمزاً للسيادة الوطنية.

الخلاصة
ما يظهر كرقم اقتصادي طموح يخفي واقعاً اقتصادياً هشاً: اعتماد على المحروقات، بطالة مرتفعة، وقدرة محدودة على الابتكار الصناعي. الإعلان عن الناتج الداخلي الخام بقيمة 400 مليار دولار يبدو أكثر من مجرد توقع، إنه أداة دعائية واستراتيجية مالية، تثير تساؤلات جدية حول الفجوة بين الوعود والطموحات وبين الواقع البنيوي للاقتصاد الجزائري.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.