أخنوش بين مطرقة المنجز وسندان التجييش: ملامح أزمة خطاب سياسي

0

 

شهد الفضاء السياسي المغربي خلال العقود الستة الماضية تحولات كبرى، تقودها سرديات متعاقبة تُعيد تشكيل المشهد الحزبي وتُوجه بوصلة الناخب. فقد تعاقبت على قيادة المزاج السياسي ثلاث تيارات كبرى: القومي الوطني الذي مثله حزب الاستقلال، ثم التيار اليساري الاشتراكي ممثلاً في الاتحاد الاشتراكي، وأخيراً التيار الإسلامي بقيادة حزب العدالة والتنمية. وكل مرحلة كانت تُؤسس شرعيتها على وعد تاريخي بالتغيير والإصلاح.

لكن مع انتكاسة تجربة الإسلاميين في انتخابات 2021، دخل المغرب مرحلة سياسية جديدة، كان عنوانها الأبرز صعود حزب التجمع الوطني للأحرار بقيادة عزيز أخنوش. وهو صعود لم يأتِ فقط بتغيير في الوجوه، بل بتجديد في الخطاب والتنظيم والبرنامج، قوامه الانتقال نحو دولة اجتماعية ذات دعائم اقتصادية متينة.

غير أن هذا الصعود لم يخلُ من مقاومة سياسية صاخبة. فمنذ الأيام الأولى لتشكيل الحكومة، تعرّضت لهجوم رقمي منظم، سبق حتى مباشرة العمل الحكومي. ومع اشتداد الأزمات العالمية – من جفاف خانق إلى تداعيات الحرب في أوكرانيا وارتفاع أسعار المحروقات – تزايد الضغط، وتعمّقت موجة التجييش ضد رئيس الحكومة، حتى باتَ هو العنوان المركزي للخطاب المعارض، في غياب أي عرض بديل حقيقي.

في واقع الأمر، ما تحقق على الأرض خلال ثلاث سنوات من عمر هذه الحكومة ليس بالهين. فقد رُفعت الميزانيات المخصصة للقطاعات الاجتماعية إلى مستويات غير مسبوقة (الصحة، التعليم، الحماية الاجتماعية، التشغيل)، وتم إطلاق ورش الحماية الاجتماعية لتشمل ملايين المغاربة، وتضخ أكثر من 340 مليار درهم في الاستثمار العمومي. كما حققت قطاعات السياحة والصناعة والتصدير أرقاماً قياسية، وارتفع الناتج الداخلي الخام من 1275 إلى 1430 مليار درهم.

هذه المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، بدل أن تفتح نقاشاً سياسياً صحياً حول فاعلية النموذج الحكومي، دفعت المعارضة إلى تكثيف خطابها الشعبوي، المبني على التشكيك في نوايا الفاعل السياسي وليس في أداءه. فغاب التقييم العقلاني، وحلّ محله منطق “الضجيج بدل الحجة”، والشيطنة بدل النقد البناء.

إن أزمة الخطاب السياسي اليوم ليست فقط في استهداف رئيس الحكومة، بل في عجز الطبقة السياسية عن تقديم تصور بديل، يُقنع المواطن بأن هناك فعلاً من يمكنه أن يُدبّر أفضل. ومع اقتراب الاستحقاقات المقبلة، يبدو أن جزءاً كبيراً من المعارضة يراهن على استنزاف أخنوش إعلامياً وشعبياً، بدل بناء عرض انتخابي واضح ومتماسك.

من جهة أخرى، تتحمل الحكومة جزءاً من المسؤولية في ضعف الترافع عن منجزاتها، وترك الساحة لخطاب التجييش دون خطاب تواصلي مضاد فعال، يوضح للمواطن بلغة بسيطة ما تحقق، وما لم يتحقق، ولماذا.

الخلاصة أن التنافس السياسي، كي يكون صحياً ومنتجاً، يجب أن ينتقل من منطق استهداف الأشخاص إلى مقارعة المشاريع. وفي انتظار أن تتبلور بدائل حقيقية، يبقى أخنوش اليوم بين مطرقة منجز لا يُنكر، وسندان تجييش لا يُقنع.

 

 

 

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.