
الدار البيضاء تحت المجهر: شبكة غسل أموال تُهرّب الملايير عبر شركات بلا نشاط فعلي
كشفت معطيات حصرية توصلت بها جريدة انباء مراكش عن توسيع الهيئة الوطنية للمعلومات المالية لنطاق تحقيقاتها في ملف شائك لغسل الأموال، يتمحور حول شبكة معقدة من الشركات “الصورية” المتمركزة بضواحي مدينة الدار البيضاء، والتي يشتبه في تورطها في تحويلات مالية ضخمة لا تتناسب مع طبيعة أنشطتها التجارية المعلنة.
مصادر مطلعة أكدت أن مصالح المراقبة رصدت، خلال الأشهر الماضية، تحركات مالية مثيرة للريبة داخل حسابات شركات صغيرة الحجم، عبر عمليات متكررة من السحب والإيداع بواسطة الشيكات والكمبيالات، انطلاقًا من وكالتين بنكيتين تابعتين لمجموعة مصرفية كبرى.
التحقيقات الأولية كشفت أن هذه الشركات، رغم محدودية أنشطتها الظاهرة، تُسجل أرباحًا مبالغًا فيها، ما دفع مسؤولي البنوك إلى تقديم بلاغات اشتباه للهيئة الوطنية للمعلومات المالية. هذه الأخيرة دخلت على خط الملف بسرعة، وفتحت قنوات تنسيق مع المديرية العامة للضرائب، حيث تبين أن هذه الكيانات تُضخّم أرباحها من خلال فواتير وهمية وتبادلات تجارية ملفقة، مع التزامها بتصريحات ضريبية دقيقة لإضفاء طابع قانوني على تدفقاتها المالية.
التحقيقات ركزت أيضًا على تتبع مصادر رؤوس الأموال التي تم ضخها في رأسمال هذه الشركات، بعد ظهور مؤشرات على ارتباطها بعائدات تجارة المخدرات، ما يشير إلى محاولات متقدمة لإدماج الأموال غير المشروعة ضمن الدورة الاقتصادية الشرعية.
المصادر ذاتها أكدت أن بعض هذه الشركات تعمل كواجهات في مجالات متنوعة مثل البناء والتوزيع والأشغال، بينما تُستخدم في الواقع كأدوات لتمرير أموال مجهولة المصدر. وبيّنت تحليلات البيانات المالية وجود نمط متكرر من المعاملات التجارية بين نفس الأطراف، بنفس القيم والأسعار، في إطار محاولات لإخفاء طبيعة الأموال الحقيقية وإضفاء طابع الأرباح المشروعة عليها.
كما أوضحت التحقيقات أن جزءًا من هذه الأموال انتقل إلى استثمارات في العقارات والأراضي والممتلكات المنقولة الثمينة، ما يعكس جهودًا منظمة لتبييض العائدات الإجرامية عبر السوق العقاري.
من جهة أخرى، سجلت الهيئة تورط عدد من المحاسبين والموظفين البنكيين في تقديم استشارات وتسهيلات ساعدت الشبكة على تجاوز الرقابة، مستغلين ضعف تتبع بعض المؤشرات غير التقليدية، وعلى رأسها تضخيم الأرباح بدل تقليصها، في الأنظمة المعلوماتية الضريبية.
يُذكر أن الهيئة الوطنية للمعلومات المالية أحالت، خلال سنة 2023 فقط، ما مجموعه 71 ملفًا على النيابات العامة المختصة في مدن كبرى مثل الرباط والدار البيضاء وفاس، معظمها يرتبط بشبهات غسل الأموال وتمويل الإرهاب، فيما يشير تقريرها السنوي إلى ارتفاع ملحوظ في عدد الملفات المتعلقة بتزييف الوثائق والمعاملات المالية.
التحقيقات لا تزال مستمرة، في وقت تتسع فيه دائرة الاشتباه لتشمل مزيدًا من الأطراف والشركات، وسط تأكيدات بأن الملف مرشح ليكون من بين أضخم قضايا غسل الأموال التي عالجها المغرب خلال السنوات الأخيرة.