
تشريح الفساد في الصحة: ورشة تكوينية لتقوية المناعة المؤسساتية
في خطوة جديدة لتعزيز الحكامة والنزاهة داخل القطاع الصحي، نظّمت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، بشراكة مع وزارة الصحة والحماية الاجتماعية وسفارة النرويج بالرباط، وبتعاون مع مركز البحث في مجالات الحكامة U4، ورشة عمل تكوينية ركزت على “مخاطر الفساد في قطاع الصحة”، خاصة في ما يتعلق بـ”سلسلة القيمة الخاصة بالمنتجات الطبية” و”القطاع الطبي الخاص”.
الورشة، التي امتدت على مدى يومين، شهدت حضورًا متنوعًا جمع ممثلين عن قطاعات حكومية ومهنيين في المجال الصحي ومدنيين فاعلين في مراقبة الأداء العمومي. الهدف المعلن: بناء وعي جماعي عميق بآليات الفساد في المنظومة الصحية، وتقديم أدوات عملية لمواجهته، في أفق تحصين المؤسسات الصحية وتعزيز ثقة المواطنين بها
لارسن سيجور، السفير النرويجي بالمغرب، عبّر في كلمته الافتتاحية عن دعمه الكامل لهذا النوع من المبادرات، مؤكدًا أن ورشة الرباط تمثّل نموذجًا فعّالًا للتعاون بين شركاء دوليين ومؤسسات وطنية تسعى بجدية لتقوية منظومة النزاهة في قطاع حيوي كالصحة. واعتبر أن التركيز على موضوعيْ سلسلة القيمة للمنتجات الطبية والقطاع الطبي الخاص يعكس وعيًا بمكامن الخلل وإرادة لإصلاحها.
السفير أشار أيضًا إلى أن مركز U4، التابع لمعهد كريستيان ميشلسن بالنرويج، يواكب تجارب عدة دول نامية في محاربة الفساد، معتبرا أن دعم بلدان كألمانيا وكندا والسويد وسويسرا والدنمارك لهذا البرنامج يُعد دليلا على أهمية الموضوع في السياسات التنموية العالمية.
من جهته، أكد عبد الكريم مزيان بلفقيه، الكاتب العام لوزارة الصحة، التزام الوزارة بمكافحة الفساد بكل أشكاله، واصفًا الورشة بأنها محطة مهمة في مسار تطوير أداء القطاع الصحي وتقوية مناعته ضد مظاهر التلاعب والاختلال.
وكشف المسؤول ذاته أن الوزارة ستعرض خلال الورشة خطتها الخاصة لدعم هذه الجهود، مشيرًا إلى أن مؤسسات استراتيجية مثل الوكالة المغربية للأدوية والوكالة المغربية للدم ستكون حاضرة في النقاش لتقديم رؤيتها ومساهمتها.
الورشة، التي واكبتها جريدة انباء مراكش، لم تقتصر على التكوين النظري، بل شكلت أرضية لتبادل الخبرات وتوحيد المفاهيم بين الفاعلين، بما يعزز ما وصفه رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة بـ”الفهم المشترك” لمخاطر الفساد في الصحة، و”تحويل الإرادة المعلنة إلى أدوات تنفيذية فعالة”.
الهيئة أوضحت أن هذه الورشة تأتي ضمن مسار أوسع يهدف لاحقًا إلى مقاربة ملف “مسار المريض” كمجال جديد للتحليل والتدخل، على اعتبار أن أي إصلاح فعلي يجب أن ينعكس على جودة الخدمات المقدمة للمواطن.
الرسالة الأبرز التي حملتها هذه الورشة التكوينية هي أن محاربة الفساد في الصحة ليست فقط مسؤولية رقابية، بل هي أيضًا رهان تنموي ومجتمعي يتطلب تعاونًا مؤسساتيًا، ووضوحًا في التشخيص، وصرامة في التنفيذ.
وبينما تختتم الورشة أعمالها، يبقى السؤال مفتوحًا: هل سينجح المغرب في بناء مناعة مؤسساتية ضد الفساد في قطاعه الصحي؟ الورشة الأولى وضعت الأساس، لكن المسار لا يزال طويلًا… ومليئًا بالتحديات.