يونس مجاهد يكتب .. حرية الصحافة أم فوضى بلا ضوابط؟

0

 

يصادف الثالث من مايو كل عام اليوم العالمي لحرية الصحافة، وهو مناسبة يتكرر فيها الحديث عن التحديات التي تواجه هذه الحرية، خاصة تلك المتعلقة بالتضييق والقيود التي تُفرض عليها. إلا أن هذا النقاش في كثير من الأحيان يغفل الجانب الآخر، ألا وهو الأخلاقيات الصحافية وعلاقتها بهذه الحرية. فبينما يُعتبر الحق في التعبير عن الرأي جزءاً أساسياً من حرية الصحافة، فإن الممارسة الصحافية لا بد أن تكون مرفقة بالتزام أخلاقي يسهم في تعزيز هذا الحق وليس التفريط فيه.

الصحافة الرديئة، تلك التي تروج للأخبار الكاذبة والتشهير، لا تمثل ممارسات حرة بل هي في الحقيقة تضليل للجمهور وتهديد للثقة العامة في وسائل الإعلام. الصحافة الملتزمة بمعايير الأخلاق المهنية هي التي تلتزم بالمصداقية والموضوعية، وتساهم في رفع مستوى الوعي وتوجيه الرأي العام بشكل بناء.

في هذا السياق، نسترجع تجربة لجنة هاتشينز التي أُسست في الولايات المتحدة عام 1942 بدعوة من هنري لوس، مؤسس مجلة “تايم”. التقرير الذي نشرته هذه اللجنة كان له تأثير بالغ على فهم علاقة الصحافة بالمسؤولية الاجتماعية. حيث أكد على أن الصحافة ليست مجرد حق في التعبير، بل هي واجب اجتماعي، وأن حرية الصحافة لا تعني الفوضى ولا تبرر التهاون في جودة العمل الصحافي.

كما أن تقرير ليفيسون في المملكة المتحدة، الذي تم إنجازه في فترة بين 2011 و2012، أضاف بُعداً آخر لهذا النقاش، حيث شدد على ضرورة وجود هيئة مستقلة لتنظيم الصحافة وضمان احترام حقوق الأفراد، بما في ذلك حماية الخصوصية من الانتهاك والتشهير. هذا التوجه نحو التنظيم الذاتي يعكس ضرورة التوازن بين الحرية الصحافية والمسؤولية الاجتماعية التي يتحملها الصحافيون.

من جانب آخر، تناولت العديد من الدراسات الأكاديمية، مثل كتاب “صحافة الجودة: نقاشات وتحديات” الصادر عن منتدى الصحافة في الأرجنتين، العلاقة بين الجودة الصحافية والأخلاقيات. وأكدت على أن جودة الصحافة لا يمكن أن تتحقق دون الالتزام الصارم بمعايير الأخلاق المهنية، والتي تشمل البحث والتقصي الدقيق، واحترام الخصوصيات، والابتعاد عن الخطاب العدائي أو المضلل.

إن الصحافة التي تحترم الأخلاقيات ليست مجرد ناقلة للمعلومات، بل هي أداة مهمة في بناء الوعي العام وتحقيق التوازن في المجتمع. ومن هنا، يتعين على الصحافة أن تلتزم بالقواعد المهنية والمبادئ الأخلاقية التي تضمن لها تقديم منتج إعلامي يلبي تطلعات المجتمع ويساهم في تعزيز حرية الصحافة بدلاً من المساس بها.

في الختام، لا يمكن تصور حرية الصحافة بمعزل عن مسؤولياتها الأخلاقية والاجتماعية. فعندما تتحول الصحافة إلى فوضى بلا ضوابط، تصبح حرية التعبير عبئاً على المجتمع بدل أن تكون أداة للنمو والتقدم.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.