
محمد بنطلحة الدكالي لجريدة أنباء مراكش: سبتة تحولت في أذهان الشباب إلى “إلدورادو” جديد
أكد أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة القاضي عياض والمحلل السياسي محمد بنطلحة الدكالي، في تصريح لجريدة أنباء مراكش، أن موجة العبور الجماعي الأخيرة نحو مدينة سبتة المحتلة لا يمكن اختزالها في مجرد حادث حدودي أو ظرف استثنائي، بل تمثل امتداداً لظاهرة إنسانية قديمة تقوم على مطاردة حلم الخلاص والثراء السريع، الذي جسدته عبر التاريخ أسطورة “الإلدورادو”.
وأوضح الدكالي أن هذه الأسطورة، التي ظهرت قبل نحو خمسة قرون، دفعت آلاف الأوروبيين إلى مغادرة أوطانهم بحثاً عن مدينة أسطورية قيل إنها تزخر بالذهب والثروات. واستندت تلك الرحلات إلى روايات تحدثت عن زعيم من السكان الأصليين كان يغطي جسده بالذهب ويؤدي طقوساً في بحيرة مقدسة، قبل أن تتحول القصة إلى اعتقاد بوجود مملكة غنية دفعت كثيرين إلى المغامرة بحياتهم دون أن يعثروا على شيء.
وأضاف أن التاريخ أعاد إنتاج المشهد نفسه خلال حمى الذهب في كاليفورنيا وكلوندايك الكندية، حيث اندفع عشرات الآلاف وراء حلم الثراء السريع، بينما انتهى الأمر بمعظمهم إلى الخسارة أو الموت، في حين استفاد مقدمو الخدمات والمؤن أكثر من الباحثين عن الذهب أنفسهم.
ويرى المحلل السياسي أن هذا النمط يتكرر اليوم في موجات الهجرة غير النظامية، إذ يسعى كثير من الشباب إلى الهروب من واقع صعب نحو صورة مثالية عن المستقبل، حتى وإن كانت مبنية على تصورات مضللة أو فرص غير مضمونة.
وأشار الدكالي إلى أن شبكات تهريب البشر استغلت الحكم الصادر عن المحكمة العليا الإسبانية بتاريخ 29 يونيو 2026، وروجت لتفسيرات مغلوطة أوحت لآلاف الشباب بأن الوصول إلى سبتة سباحة سيمنع إعادتهم إلى المغرب. ويتعلق الأمر بقضية مهاجر جزائري أوقفه الحرس المدني الإسباني في البحر، حيث ميز الحكم بين المهاجرين الواصلين بحراً وبين من يحاولون اجتياز السياج الحدودي، غير أن هذا التمييز القانوني تعرض لتأويلات خاطئة غذّت أوهام الهجرة.
وأضاف أن هذه القراءة المغلوطة دفعت أعداداً كبيرة من الشباب، وبينهم قاصرون، إلى الاعتقاد بأن سبتة تمثل بوابة مضمونة نحو أوروبا، تماماً كما اعتقد الباحثون عن “الإلدورادو” في الماضي أن مدينة الذهب موجودة في مكان ما وتنتظر من يصل إليها.
وأكد أن الوقائع الميدانية سرعان ما كشفت زيف هذه التصورات، بعدما تجاوز عدد الوافدين قدرة مدينة سبتة على الاستيعاب، وتعذر انتقالهم إلى التراب الإسباني، ليعود معظمهم إلى المغرب بعد اكتشاف أن الوصول إلى سبتة لا يعني بالضرورة بلوغ أوروبا.
وشدد الدكالي على أن هذا السيناريو يتكرر في العديد من بؤر الهجرة عبر العالم، سواء على الحدود بين المكسيك والولايات المتحدة أو عبر غابة دارين بين كولومبيا وبنما أو في البحر الأبيض المتوسط، حيث تتغير المسارات بينما يبقى الدافع واحداً، وهو البحث عن حياة أفضل في زمن قياسي.
وخلص المتحدث إلى أن أحداث سبتة أعادت إحياء أسطورة “الإلدورادو” في قالب معاصر، معتبراً أن المدينة المحتلة ليست البوابة السحرية التي يتخيلها البعض، بل تحولت في أذهان عدد من الشباب إلى حلم غذته الشائعات وشبكات الاتجار بالبشر، في حين تؤكد الوقائع أن الطرق التي تعد بالخلاص السريع كثيراً ما تنتهي بخيبة أمل أو مآسٍ إنسانية.