
فيديو حميد المهداوي يكشف هشاشة المجلس الوطني للصحافة ويضع إصلاح القطاع الإعلامي والمساءلة القضائية على المحك
لم يعد ممكناً حجب ما يجري داخل دهاليز المؤسسات الإعلامية، بعدما فجر الصحافي حميد المهداوي قنبلة مدوّية، عبر بثّ تسجيل مسرّب من اجتماع لجنة التأديب بالمجلس الوطني للصحافة. فيديو لم يكشف فقط طريقة تدبير الملفات داخل اللجنة، بل أظهر – بشكل صادم – وجود تدخلات في قضايا معروضة أمام القضاء، وميولاً واضحة نحو توجيه المواقف في ملفات لا تزال بين يدي العدالة، إلى جانب استعمال ألفاظ غير مهنية في نقاش يفترض أن يكون هادئاً ومحايداً.
وما جعل الصدمة أكبر هو ورود اسم الرئيس الأول لمحكمة النقض، ورئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية محمد عبد النباوي داخل التسجيل، وهو ما نقل النقاش من مستوى ممارسات لجنة تأديبية إلى قلب الهرم القضائي نفسه، ووضع مؤسسات عليا أمام أسئلة محرجة تتعلق بالاستقلالية والحياد.
المشهد الذي انتشر على نطاق واسع كشف لغة حادة، ومواقف مسبقة، وإيحاءات خطيرة حول إمكانية الدفع بملف المهداوي نحو القانون الجنائي، في تجاوز بيّن لقانون الصحافة والنشر الذي من المفترض أن يمنح حماية مهنية قبل أي متابعة. وهنا يبرز الخلل البنيوي العميق: حين يصبح الإجراء التأديبي مشوباً بحسابات وتصفيات، يتحول التنظيم الذاتي من ضمانة للأخلاق المهنية إلى مصدر تهديد للمهنة نفسها.
التسجيل لم يكن مجرد تسريب عابر، بل زلزالاً ضرب مؤسسة كان يُعوَّل عليها لحماية الصحافيين وضمان استقلالهم. فقد بدا المجلس الوطني للصحافة، في ضوء ما ظهر، كأنّه مسرح لانزلاقات تمسّ استقلاليته وحياده، وسط مؤشرات على أن ما ظهر ليس سوى جزء من صورة أكبر وأكثر تعقيداً.
وفي ظل دستور يضمن استقلال السلطة القضائية وحرية التعبير، فإن مجرد التلميح بتوجيه ملفات معروضة على القضاء يمثّل ضربة قوية لثقة المواطنين في المؤسسات. ما حدث لا يمكن اعتباره خطأً فردياً، بل هو أزمة تدبير داخل مؤسسة يفترض أن تكون نموذجاً للحوكمة والشفافية.
وتتعاظم خطورة الوضع عندما نضع في الاعتبار أن اللجنة الموقتة المسيرة للقطاع لا تُعد هيئة منتخبة أو مستقلة، بل جرى تشكيلها بقرار حكومي وإشراف مباشر من وزارة الشباب والثقافة والتواصل. وهو ما ينقل المسؤولية السياسية من اللجنة إلى الجهة التي أنشأتها ومنحتها سلطة واسعة دون آليات حقيقية للرقابة. وقد وجد الوزير محمد المهدي بنسعيد نفسه في قلب الانتقادات، وسط أسئلة ملحّة حول كيفية وصول مؤسسة رسمية إلى هذه الدرجة من الانفلات.
أكثر من ذلك، يعكس الفيديو حالة ترهل وضعف تعيشها مؤسسة المجلس الوطني للصحافة، سواء على مستوى التمثيلية أو الشفافية أو آليات المحاسبة. فالمشهد الإعلامي لم يعد يحتمل محاولات ترقيعية، بل يحتاج لإصلاح جذري يبدأ بالقوانين، ويمتد إلى هياكل المؤسسات، وطرق دعم الصحافة، وصولاً إلى انتخابات مهنية شفافة تعيد الثقة للمؤسسات.
وبحسب ما أكده المهداوي، فإنه توصل بالتسجيل من مصدر لن يكشف هويته، وأن ما نُشر ليس سوى جزء من محتوى أكبر لم يكشف بعد. كما أن الإيحاءات المتعلقة بالتدخل في قضايا معروضة على القضاء تمثّل، حسب ملاحظات خبراء قانونيين، خرقاً واضحاً للفصلين 109 و110 من الدستور، اللذين يحظران أي تدخل في استقلال القضاء ويوضحان حدود المسؤوليات التأديبية والجنائية. وهو ما يجعل فتح تحقيق قضائي خطوة ضرورية لكشف حقيقة ما جرى وتحديد المسؤوليات بدقة.
ما كشفه التسجيل يمسّ بشكل مباشر حقوق الصحافيين وسلامة العمل داخل مؤسسة مهنية رسمية. ورغم الانتقادات التي تُوجَّه أحياناً إلى أسلوب المهداوي، إلا أنه نشر الأجزاء المتعلقة بالقضية دون التطرق إلى الجوانب الخاصة، ما اعتبره متابعون موقفاً مسؤولاً يُغلّب المصلحة العامة على الإثارة.
اليوم، القضية تجاوزت كونها خلافاً بين صحافي ومؤسسة تنظيمية، لتصبح امتحاناً حقيقياً لمدى قدرة قطاع الصحافة المغربي على حماية استقلاليته واستعادة ثقة الجمهور. فالصمت في لحظة كهذه لا يمكن اعتباره حياداً، بل مشاركة في تكريس الأزمة.
وتزداد الصورة تعقيداً عندما نعود إلى مسار المجلس الوطني للصحافة، إذ كان من المفترض إجراء انتخابات مهنية منذ نهاية 2021، غير أن حكومة عزيز أخنوش اختارت تمديد عمل اللجنة المؤقتة ستة أشهر، ثم لعامين، ثم تركها تستمر إلى ما لا نهاية، رغم أن ذلك يتجاوز كل الحدود القانونية. ومع احتجاجات الفيدرالية المغربية لناشري الصحف وفعاليات مهنية متعددة، بقي الوضع على حاله، ما أدى إلى شلل شبه تام في المؤسسة.
وقد خلق هذا التمديد غير القانوني شعوراً واسعاً بأن قطاع الإعلام يُدار بقرارات فوقية، خارج قواعد الحكامة والشرعية المهنية، وهو ما يمثل خطراً مباشراً على استقلال القضاء وحرية الصحافة على حد سواء. وفي قلب هذا الوضع يبرز الدور السلبي للوزير الوصي الذي كان من المفترض أن يدافع عن المؤسسات الصحافية، فإذا به يعمّق الأزمة عبر الإبقاء على لجنة مؤقتة فاقدة للشرعية.
إن الأزمة التي كشفها تسريب المهداوي تمثّل لحظة مفصلية في تاريخ الصحافة المغربية. فالأمر لم يعد يحتمل تأجيلات شكلية أو حلولاً تقنية، بل يتطلب إصلاحاً عميقاً يعيد للمؤسسات ثقتها ولمهنة الصحافة مكانتها، ويضمن استقلال القضاء وحماية الحريات. فاستمرار هذا الوضع لن يؤدي فقط إلى تآكل المصداقية، بل سيهدد النسيج الديمقراطي برمته.
وهكذا، يتضح أن ما خفي أعظم، وأن ما ظهر في الفيديو ليس سوى رأس جبل الجليد. إن الأزمة اليوم ليست فضيحة عابرة، بل تحذير صارخ لما قد يحدث إذا استمر الصمت أو التواطؤ. فالمسؤولية تقع على الحكومة، والمؤسسات القضائية، والهيئات المهنية، والمجتمع المدني، وكل طرف معني بحماية استقلال الصحافة وسيادة القانون.
وإلى أن يتحرك المسؤولون، سيظل هذا الملف شاهداً على مرحلة دقيقة من تاريخ الإعلام المغربي، وعلى الحاجة الماسة لإصلاح شامل يضع حداً للتسيير العشوائي والقرارات الفوقية، ويعيد الاعتبار لمهنة كان يفترض أن تكون سلطة رابعة، لا سلطة موجهة من وراء الستار.