
حين يُدشَّن الإسمنت… ويُغلق باب النجاة
بعد أسابيع فقط من قصّ الشريط وتبادل الابتسامات أمام الكاميرات، لفظت سيدة حامل وجنينها أنفاسهما في الطريق إلى مستشفى شيشاوة، لأن مستشفى القرب الجديد بأمنتانوت، ذلك الذي رُصدت له عشرات الملايين من الدراهم، لم يكن قادرًا على استقبال حالة ولادة مستعجلة.
المفارقة ليست في الوفاة فقط، بل في السياق: مستشفى حديث، مجهّز على الورق، قُدّم للرأي العام كمكسب صحي استراتيجي، فإذا به يعجز عن أبسط وظائفه في أول اختبار حقيقي. فلا توليد، ولا إنعاش، ولا قرار طبي، سوى قرار واحد: “انقلوها إلى شيشاوة”.
أي قيمة لمستشفى يمتد على خمسين ألف متر مربع، إن كانت سيارة إسعاف خاصة أسرع منه؟
وأي معنى لاعتمادات مالية ضخمة، إن كانت النتيجة امرأة تموت في الطريق بدل أن تلد في مدينتها؟
هذه الحادثة لم تكن قضاءً وقدرًا خارج السياق، بل نتيجة منطق واضح:
تدشين قبل تشغيل، وصورة قبل خدمة، وبناية قبل إنسان.
المشكلة لم تعد في نقص الإمكانيات، بل في فلسفة كاملة تعتبر أن بناء المستشفى هو نهاية الإصلاح، لا بدايته. تُصرف الملايين على الجدران، وتُنسى التفاصيل الصغيرة: طبيب حاضر، مداومة فعلية، قرار طبي في الوقت المناسب.
ما وقع في أمنتانوت ليس حادثًا معزولًا، بل رسالة قاسية تقول إن بعض المشاريع الصحية لا تُبنى لإنقاذ الأرواح، بل لإنقاذ التقارير الرسمية.
وأن بعض المستشفيات تُفتح للتدشين… لا للعلاج.
فحين يموت الناس خارج مستشفى جديد، فالمشكلة ليست في الطريق، بل في المكان الذي لم يقم بدوره حين كان يجب أن يقوم به.