
تحقيق: صحفيات في الصومال يواجهن التحرش والتمييز وسط غياب قوانين رادعة
يكشف تحقيق استقصائي عن واقع صعب تعيشه العديد من الصحفيات العاملات في الصومال، حيث يتعرضن لأشكال متعددة من التمييز والتحرش الجنسي والمساومات المهنية ذات الطابع الجنسي داخل المؤسسات الإعلامية، في ظل غياب سياسات مؤسسية واضحة أو تشريعات رادعة.
ويعتمد التحقيق على شهادات عشر صحفيات، إضافة إلى نتائج استبيان شاركت فيه 30 صحفية يعملن في وسائل إعلام حكومية وخاصة بمختلف الولايات الصومالية، فضلاً عن مقابلات مع مسؤولين في نقابات ومبادرات إعلامية.
شهادات تكشف واقعاً صادماً
تروي إحدى الصحفيات، التي استخدمت اسماً مستعاراً هو “حليمة”، أنها تعرضت لمحاولة اعتداء جنسي داخل مقر الإذاعة التي كانت تعمل فيها. وتقول إنها عادت إلى المكتب بعد يوم عمل طويل لاستكمال تقرير صحفي، قبل أن يتطور حديث عابر مع مديرها إلى تحرش جسدي مفاجئ.
وتوضح أنها حاولت مقاومته ودفعه بعيداً عنها، قبل أن تغادر المؤسسة نهائياً، خاصة بعدما تلقت تهديدات بالقتل إن تحدثت عن الحادثة.
تمييز واسع داخل المؤسسات الإعلامية
تؤكد نتائج الاستبيان أن نحو 83 في المائة من الصحفيات المشاركات تعرضن لنوع من التمييز داخل بيئة العمل، خاصة في ما يتعلق بالأجور والبدلات المالية، إضافة إلى التمييز في توزيع المهام المهنية وفرص الترقي إلى المناصب الإدارية.
وتشير صحفيات إلى أن بعض المجالات الصحفية، مثل البرامج الرياضية أو التصوير الصحفي، ما تزال تُعتبر في نظر بعض الإدارات مجالات “للرجال فقط”.
التحرش والمساومة مقابل الفرص المهنية
كما كشفت شهادات أخرى عن حالات مساومة ذات طابع جنسي مقابل فرص وظيفية أفضل أو ترقيات مهنية. فقد روت مصورة صحفية شابة، استخدمت اسم “هبة”، أنها تعرضت لضغوط من أحد المسؤولين الذي عرض عليها فرصة عمل أفضل مقابل ما وصفه بـ“تفاهمات خاصة”.
وبحسب نتائج التحقيق، فإن 67 في المائة من الصحفيات المشاركات أكدن تعرضهن لتحرش جنسي مرة واحدة على الأقل، بينما أظهرت البيانات أن معظم هذه الحالات ارتكبها مسؤولون يشغلون مواقع قيادية داخل المؤسسات الإعلامية.
صمت الضحايا خوفاً من العواقب
ورغم خطورة الانتهاكات، فإن نحو 70 في المائة من الصحفيات المتضررات لم يتقدمن بأي شكوى رسمية، بسبب الخوف من فقدان الوظيفة أو التعرض للوصم الاجتماعي.
ويوضح مسؤولون في نقابات الصحفيين أن العديد من النساء يفضلن الصمت، خوفاً من الانتقام المهني أو من التوتر داخل أسرهن ومجتمعهن.
فراغ تشريعي يفاقم الأزمة
ويشير التحقيق إلى أن جزءاً كبيراً من المشكلة يرتبط بغياب نص قانوني واضح يجرّم التحرش الجنسي في القانون الصومالي. كما تفتقر معظم المؤسسات الإعلامية إلى سياسات مكتوبة أو مدونات سلوك تنظم العلاقة المهنية بين العاملين وتوفر آليات للإبلاغ عن الانتهاكات.
ورغم أن قانون العمل الجديد في الصومال لعام 2024 يحظر التحرش الجنسي والتمييز في أماكن العمل، فإن العقوبات الواردة فيه تبقى في الغالب إدارية وليست جنائية، ما يحد من فعاليتها في ردع المعتدين.
دعوات لإصلاحات قانونية ومؤسسية
يدعو حقوقيون وخبراء قانونيون إلى ضرورة تحديث التشريعات الصومالية، وإقرار قانون واضح يجرّم التحرش في بيئة العمل، إلى جانب فرض سياسات حماية داخل المؤسسات الإعلامية وتوفير قنوات سرية وآمنة للإبلاغ عن الانتهاكات.
وتؤكد بعض الصحفيات أن حماية المرأة في قطاع الإعلام لا تمثل قضية مهنية فحسب، بل شرطاً أساسياً لتطوير الصحافة وتعزيز حرية التعبير في البلاد.