
المتفوقون ضحايا التنمر الرقمي: حين يتحول النجاح إلى سخرية
بقيادة الأميرة للا مريم، تتواصل الجهود الوطنية لمحاربة ظاهرة التنمر في المدارس وعلى المنصات الرقمية، من خلال برامج يشرف عليها المرصد الوطني لحقوق الطفل، بشراكة مع مؤسسات متعددة. وتهدف هذه المبادرات إلى حماية كرامة التلاميذ وتوفير بيئة تعليمية آمنة، تجمع بين التوعية والمواكبة النفسية والتدخل عند الحاجة.
لكن رغم هذا، يظل العالم الرقمي ساحة أكثر تعقيدًا وخطورة. في فضاءات التواصل الاجتماعي، تتعرض فئة من الشباب المتفوقين لهجمات تنمّر إلكتروني، تقلب فرحة نجاحهم إلى موجة من السخرية والاستهزاء، فتُطرح من جديد أسئلة مؤرقة عن القيم التي تحكم تفاعلنا مع من يحقق إنجازًا.
مع ظهور نتائج الباكالوريا، عجّت مواقع التواصل بصور وأسماء المتفوقين ونقاطهم. بدل أن يتحول هذا النجاح إلى مصدر فخر وإلهام، سرعان ما تحولت هذه الصور إلى مادة للتنكيت والسخرية، حيث تساءل البعض عن مظهرهم ولهجتهم وطريقة حديثهم. وهكذا، يُفرغ الإنجاز من معناه ليُختزل في “نكتة عابرة” تخفي وراءها عدوانًا مقنّعًا.
المقلق أن هذا السلوك لا يتم بدافع الغيرة وحدها، بل يجد له تبريرًا تحت شعارات “حرية التعبير” أو “المزاح”، بينما في العمق نغتال قيمة التقدير ونبني مجتمعًا يتراجع فيه الاحترام لصالح التفاعل السريع والتعليق الساخر.
ويؤكد خبراء علم النفس أن هذه الممارسات غالبًا ما تعكس شعورًا بالنقص أو الإحباط لدى البعض، فيلجؤون إلى السخرية من الآخرين كنوع من التعويض النفسي. والخطر الأكبر أن الضحية هنا مراهق أو شابة في لحظة حساسة من بناء شخصيتهم، ما يترك آثارًا نفسية عميقة تتجاوز مجرد نكتة إلكترونية.
أما المنصات الاجتماعية نفسها، فهي تغذي هذا المشهد. خوارزمياتها ترفع من انتشار المحتوى المثير والمستفز، دون تمييز بين تعليق فكاهي ومحتوى جارح، فتتحول “الإعجابات” و”التفاعلات” إلى وقود يعمق جراح المتفوقين في صمتهم.
ويبقى السؤال: كيف سنربي أبناءنا على الاجتهاد، ونحن نُهين من يجتهد؟ وكيف نبني مجتمع معرفة ونحن نُحطم صورة من يمثلها؟ إنها مفارقة ينبغي أن تدفعنا لإعادة ترتيب أولوياتنا الأخلاقية، ونطرح بجدية سؤال: من يستحق أن نصفق له؟ ومن ينبغي أن نقتدي به؟
فالمعركة الحقيقية ليست فقط في حملات توعوية عابرة، بل في إعادة بناء الوعي المجتمعي وترسيخ قيم تشجع على التميز، وتحمي من يسلك طريقه. فالتنمر الرقمي على المتفوقين ليس مجرد سلوك عابر، بل مرآة تكشف خللاً في نظرتنا للنجاح والاجتهاد.
وفي النهاية، أمامنا خيار واضح: إما أن نصنع بيئة رقمية تشجع على الاجتهاد وتحتفي بالنجاح، أو أن نستمر في زمن يُكافئ التنمر أكثر مما يكرم التميز.