إيران بعد الحرب: برنامج نووي مُستنزف أم مشروع مؤجل؟

0

 

مع انقضاء 12 يومًا من المواجهات العسكرية المباشرة بين إيران وإسرائيل، التي انتهت بوقف إطلاق نار هش، تتجه الأنظار مجددًا نحو الملف النووي الإيراني، وسط تساؤلات ملحة حول ما إذا كانت طهران قد فقدت قدرتها التقنية على تطوير قنبلة نووية، أم أن مشروعها لا يزال قائمًا ولكنه مؤجل بفعل الضربات.

الضربات الجوية المنسقة التي نفذتها إسرائيل والولايات المتحدة استهدفت البنية التحتية النووية الإيرانية بعمق غير مسبوق منذ أكثر من عشرين عامًا. أبرز المواقع المتضررة شملت مجمع نطنز، منشأة فوردو الجبلية، ومنشآت التحويل وصناعة معدن اليورانيوم في أصفهان، بحسب تقارير استخباراتية وصور أقمار صناعية. وقد خرج عدد كبير من أجهزة الطرد المركزي المتقدمة عن الخدمة، كما تم تدمير المنشأة الوحيدة المعروفة لتحويل اليورانيوم المخصب إلى شكله المعدني، وهي خطوة جوهرية في إنتاج نواة قنبلة نووية.

لكن رغم قسوة الضربة، لا يُجمع الخبراء على أن البرنامج قد دُمر بالكامل. تقارير استخباراتية غربية تفيد بأن إيران نقلت جزءًا من مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% إلى مواقع غير معلنة قبيل الضربات، ما يُبقي إمكانية التخصيب حتى 90% – العتبة النووية – قائمة من الناحية النظرية.

في تقييم أولي، اعتبر البيت الأبيض أن الضربات أخّرت برنامج إيران “لبضعة أشهر”، بينما تحدث مدير وكالة الاستخبارات المركزية عن “أضرار عميقة” قد تؤجل العودة إلى الوضع السابق لسنوات. أما الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فأعربت عن قلقها من تعذر تشغيل منشأة فوردو، وطالبت إيران بالسماح الفوري بدخول المفتشين لتقييم الأضرار ومراقبة المواد النووية.

في المقابل، التزمت طهران الغموض. التصريحات الرسمية اقتصرت على تأكيد أن التقييم لا يزال جارياً، وأن تطوير القدرات النووية سيستمر “ضمن الأطر القانونية”. إلا أن الغياب الواضح للشفافية والتردد في فتح المواقع المتضررة أمام الرقابة الدولية يزيد من الشكوك حول نوايا إيران المستقبلية.

الجانب الأمريكي، من جهته، لم يغلق الباب تمامًا أمام العودة إلى المسار الدبلوماسي، حيث دعا الرئيس دونالد ترامب طهران إلى “استغلال الفرصة التاريخية” ووقف التخصيب وفتح منشآتها للمراقبة. لكنه حذر في الوقت نفسه من أن أي تحركات خفية لإحياء البرنامج ستُواجه بحزم عسكري واستخباراتي أشد.

ويرى محللون أن المشهد الحالي لا يشي بنهاية البرنامج النووي الإيراني، بل بفترة إعادة تقييم وتكيّف. فطهران تحتفظ بمخزون مخصب ومعرفة تقنية وشبكة منشآت يصعب رصدها بالكامل. وإذا ما قررت القيادة الإيرانية استئناف المشروع، فإن الطريق سيكون أصعب، لكنه ليس مغلقًا بالكامل.

هكذا، تبدو إيران في موقع لا تُحسد عليه: بنية نووية منهكة، لكن رغبة مستمرة في الاحتفاظ بخيار الردع. وبين مشروع مُستنزف وآخر مؤجل، يبقى مستقبل النووي الإيراني معلقًا بين ضغوط الواقع ودهاليز القرار السياسي.

 

 

 

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.