
تأديب الموظف أم عقاب المجتمع؟ في نقد ممارسات التوزيع الجغرافي للموارد البشرية
في إحدى الوقائع التي تكاد تختصر فلسفة الإدارة في بعض القطاعات، تم تنقيل موظف إلى منطقة نائية من المغرب غير النافع، وقد أرفق قرار التنقيل بملاحظة صريحة: “تمّ تنقيله كإجراءٍ تأديبيٍّ عقابي”. لم يكن الأمر ليمرّ دون أن يثير الانتباه، فقد تساءل رئيس تلك المنطقة المعنية، بدهشةٍ لا تخلو من مرارة: “هل أنا أيضًا عُيّنت هنا كعقوبة؟”.
هذا التساؤل، وإن بدا ساخرًا، يكشف عن خللٍ عميق في منطق توزيع الموارد البشرية. فحين تتحوّل الجغرافيا إلى وسيلة للعقاب، لا أداة لتحقيق العدالة المجالية، نكون أمام منطق يُعيد إنتاج ما يمكن تسميته بـ”المنفى الإداري”. ففي هذا المنطق، لا يتم تأديب الموظف بتقويم سلوكه أو مساءلته قانونيًا، بل يُعاقب بتغيير موقعه الجغرافي، وكأن إرسالَه إلى منطقة نائية هو شكلٌ من أشكال النفي الإداري.
لكن، من يدفع الثمن الحقيقي؟ الموظف الذي يجد نفسه في عزلة جغرافية ومهنية؟ أم أسرته التي تُجبر على تغيير نمط حياتها واستقرارها؟ أم الساكنة المحليّة التي تستقبل موظفًا محبطًا فاقدًا للرغبة في العطاء؟
في واقع الأمر، الجميع يتضرر، ما عدا مَن اتّخذ القرار.
بهذه الممارسات، تتحوّل المناطق النائية إلى ما يشبه “مكبات إدارية”، يُرحَّل إليها كل موظف “عندو لوسخ فالدوسي”، في نوع من التصريف الصامت للأزمات الداخلية داخل الإدارة، عوض مواجهتها بمنطق الإصلاح والمحاسبة. وهو منطق يُكرّس التمركز ويُعمّق التفاوتات، كما يُفرغ مفاهيم العدالة المجالية والتنمية الترابية من معناها الحقيقي.
المُقلق في هذا كله أن العقلية التي تُدير هذا النوع من السياسات، لا تزال قائمة على منطق الانتقام الوظيفي، لا على أساس الكفاءة ولا الاستحقاق. عقلية ترى في الموقع الجغرافي وسيلة للتأديب، لا مجالًا لبناء مشاريع تنموية ولا فرصة لتأهيل العنصر البشري.
فهل المطلوب من الموظف أن يكون كُفؤًا، أم أن يكون فقط نقيّ السجل؟
وهل يبدأ إصلاح الإدارة من ترتيب الملفات، أم من تغيير الذهنيات التي تُمسك بهذه الملفات وتوجّه مصير أصحابها؟
ما لم يُلغَ منطق العقاب بالجغرافيا، وما دام شعار “عندو لوسخ فالدوسي” حاضرًا في كواليس قرارات التنقيل، ستظل خريطة المغرب منقسمة إلى “مراكز الامتياز” و”منافي العقوبة”، بدل أن تكون شبكة متكاملة من الأقطاب التنموية المتوازنة.