موسكو بين الرباط والجزائر.. رئاسة مجلس الأمن تختبر موقف روسيا

0

في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتسارع الجهود الأممية لإنهاء نزاع الصحراء المغربية المستمر منذ ما يقارب خمسة عقود، يعود هذا الملف إلى واجهة النقاشات داخل مجلس الأمن الدولي، مع اقتراب موعد تولي روسيا رئاسة المجلس في أكتوبر المقبل.

 

هذا الاستحقاق الدبلوماسي قد يسهم في إعادة تشكيل ملامح الحل السياسي للنزاع، وسط تقاطعات المواقف الدولية وتشابك المصالح الجيوسياسية، فيما تتكثف التحركات لصياغة قرار أممي يُرتقب أن يحمل توجهاً جديداً ومختلفاً عن القرارات السابقة.

 

وحسب أجندة الأمم المتحدة، ستتولى روسيا الاتحادية الرئاسة الدورية لمجلس الأمن في أكتوبر، في ظرفية دقيقة تتزامن مع عودة النقاش حول ملف الصحراء، خصوصاً بعد الإحاطة الأخيرة التي قدمها ستيفان دي ميستورا، المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، وما خلفته من جدل بشأن مستقبل المسار السياسي، وفرص تجاوز خيار الانفصال بشكل نهائي.

 

هذه الإحاطة جاءت حصيلة تحركات دبلوماسية مكثفة شملت جولات إقليمية ولقاءات غير رسمية، كرّست مقترح الحكم الذاتي كخيار واقعي يحظى بدعم متنامٍ داخل مجلس الأمن من قوى كبرى مثل فرنسا، الولايات المتحدة، وإسبانيا، معتبرة إياه الحل الوحيد الممكن الذي يحترم سيادة المغرب ويضمن استقرار المنطقة.

 

موقف روسيا بين التوازن والمصالح

تمثّل رئاسة روسيا لمجلس الأمن محطة مفصلية، بالنظر إلى مكانتها كعضو دائم وعلاقاتها المتشابكة مع مختلف أطراف النزاع. ورغم موقف موسكو المتحفظ عادةً في التصويت، إلا أن المرحلة المقبلة ستفرض عليها ضبط مواقفها بما ينسجم مع مصالحها الإستراتيجية.

 

ويتوقع أن يصدر مجلس الأمن قرارًا أمميا جديدًا في أكتوبر بنبرة أوضح من سابقاته، يستند إلى خلاصات الإحاطات والمشاورات الأخيرة، ويمهّد لمرحلة سياسية جديدة قد تنهي خيار الانفصال، وتعزز مبادرة الحكم الذاتي كمرجعية أممية واقعية وعملية.

 

الاقتصاد بوابة التأثير

وفي هذا السياق، يرى الباحث سعيد بوشاكوك أن السياق الدولي بات محكوما بمنطق المصالح، ما يعيد رسم التحالفات ويؤثر على القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها نزاع الصحراء.

 

وأشار بوشاكوك إلى أن روسيا تحرص على التوفيق بين تحالفاتها التقليدية وتوسيع شراكاتها الاقتصادية والأمنية، دون المساس بمصالحها الحيوية، وهو ما يمنحها ثقلا يصعب تجاوزه داخل مجلس الأمن.

 

وأضاف أن الزيارة التاريخية للملك محمد السادس إلى موسكو وتوقيع اتفاقيات إستراتيجية شكلت منعرجًا في علاقات البلدين، وأرست ثقة انعكست على مواقف روسيا من ملف الصحراء، خاصة من خلال حيادها في التصويت واستمرار الشراكة الاقتصادية مع المغرب.

 

كما أكد المتحدث أن استمرار الجزائر في محاولاتها لتقوية نفوذها داخل مجلس الأمن، خاصة مع استمرار عضويتها غير الدائمة، سيصطدم بموقف روسي حريص على توازن دقيق، مرجحا أن تواصل موسكو الامتناع عن التصويت، بما يسمح بإعادة إحياء الدينامية السياسية عبر صيغة الموائد المستديرة.

 

تحولات روسية منذ 1998

من جهته، اعتبر الدكتور ددي بيبوط أن الجزائر تسعى لاستثمار رئاسة روسيا للمجلس لمحاولة تحريك مواقف داعمة لأطروحة البوليساريو. غير أن هذا المسعى يصطدم بتحولات جوهرية في الموقف الروسي منذ نهاية الحرب الباردة.

 

وأوضح بيبوط أن روسيا، التي كانت حليفا تقليديا للجزائر خلال الحقبة السوفياتية، بدأت منذ 1998 تتبنى سياسة خارجية أكثر براغماتية، قائمة على المصالح لا الإيديولوجيا.

 

وسجّل أن روسيا لم تتخلَّ يوما عن علاقاتها مع المغرب، بل حرصت على الحفاظ على توازنها في التعاطي مع الملف. وشهد هذا التوجه تعزيزًا منذ 2007، تاريخ تقديم المغرب لمقترح الحكم الذاتي الذي نال ترحيبا دوليا واسعاً.

 

وبيّن الباحث أن تصويت روسيا على قرارات أممية سنة 1999 و2000 بشأن استحالة تطبيق خطة التسوية، يعكس بداية تحول تدريجي في موقفها. ومنذ ذلك الحين، أضحت مواقف موسكو تتسم بالاتزان، مع دعم جهود الأمم المتحدة ورفض أي تعديل في ولاية المينورسو.

 

وأشار إلى أن روسيا لم تعترف أبدا بجبهة البوليساريو كدولة رغم استقبالها لوفودها، ما يعكس حرصها على التريث في ملف معقد تحكمه حسابات دقيقة.

 

وختم بيبوط حديثه بالتأكيد على أن الجزائر لن تتمكن من استغلال رئاسة موسكو لمجلس الأمن لتغيير موقف روسيا المتزن، في وقت يتزايد فيه الدعم الدولي لمقترح الحكم الذاتي، وتتوالى الاعترافات بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية.

 

 

 

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.