إيران بين سلطة الجنرالات وتراجع الحكم الديني

0

تُظهر التحولات العميقة داخل بنية الحكم في إيران انتقالاً تدريجياً من نموذج “الجمهورية الدينية” التقليدي إلى منظومة أكثر تعقيداً، تتقاسم فيها المؤسسات الأمنية والعسكرية مراكز القرار الفعلي، في ظل تراجع واضح لهيمنة المؤسسة الدينية على إدارة الدولة.

ففي الوقت الذي ما يزال فيه النظام الإيراني يحتفظ بهيكله الدستوري القائم على ولاية الفقيه، تشير معطيات وتحليلات إلى أن مركز الثقل السياسي بات يميل بشكل متزايد نحو الحرس الثوري وشبكة من القادة العسكريين والأمنيين الذين يديرون مفاصل الدولة من خلف المؤسسات الرسمية.

هذا التحول لم يأتِ بشكل مفاجئ، بل هو نتيجة تراكمات تاريخية تعود إلى الحرب العراقية-الإيرانية، التي أسهمت في تشكيل جيل من القادة العسكريين الذين انتقلوا لاحقاً من ساحات القتال إلى مواقع صنع القرار داخل الدولة، حاملين معهم رؤية أمنية تعتبر حماية النظام أولوية مطلقة فوق الاعتبارات السياسية والاقتصادية.

ومع مرور الوقت، توسع نفوذ هذه النخبة العسكرية-الأمنية ليشمل مؤسسات حساسة داخل الدولة، من البرلمان إلى القضاء والأجهزة الاستخباراتية، ما أدى إلى تشابك واضح بين السلطة السياسية والوظيفة الأمنية، بحيث باتت الحدود بين الدولة ككيان سياسي والدولة كمنظومة أمنية أقل وضوحاً.

ويبرز في هذا السياق عدد من الشخصيات ذات الخلفية العسكرية التي تلعب أدواراً محورية في المشهد الإيراني، حيث يجمع بعضهم بين التجربة الميدانية في الحرس الثوري ومناصب سياسية رفيعة، ما يعكس طبيعة النظام الذي يدمج بين الأمن والسياسة في بنية واحدة متداخلة.

هذا التوجه أسهم في تعزيز قدرة الدولة على الصمود في وجه الضغوط الخارجية والعقوبات، لكنه في المقابل عمّق من الطابع الأمني لإدارة الشأن الداخلي، حيث تُقرأ الاحتجاجات والتحركات الاجتماعية في كثير من الأحيان من منظور أمني، ويتم التعامل معها ضمن مقاربة ترتكز على الضبط والمراقبة أكثر من الانفتاح السياسي.

ورغم هذا التماسك الظاهري، إلا أن المشهد الداخلي لا يخلو من تباينات داخل المعسكر المحافظ نفسه، بين تيارات تميل إلى البراغماتية والانفتاح النسبي، وأخرى تتمسك بخيار التشدد وإدارة الدولة بمنطق “التهديد الدائم”، وهو ما يعكس وجود نقاش داخلي حول مستقبل النظام واتجاهاته.

وفي المحصلة، يبدو أن إيران تشهد إعادة تشكيل تدريجية لطبيعة الحكم، حيث تتقدم المؤسسات الأمنية والعسكرية لتصبح الفاعل الأساسي في صناعة القرار، في مقابل تراجع نسبي للدور الديني والسياسي التقليدي، ما يطرح تساؤلات حول شكل الدولة في المرحلة المقبلة وقدرتها على إنتاج توازن بين الأمن والشرعية السياسية.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.