
هل حان وقت تدريس القانون في المدارس؟
في خضم النقاش الدائر حول واقع كليات الحقوق ومشكلة الاستقطاب المفتوح والتسرب الدراسي، يبرز سؤال جوهري يتعلق بجذور المشكلة وليس فقط بظواهرها: لماذا يقبل الطالب على كلية الحقوق وهو لا يملك أدنى فكرة عن ماهيتها، ولماذا تبقى هذه الشعبة غامضة في أذهان الناشئة حتى بلوغهم مرحلة اتخاذ القرار المصيري المتمثل في اختيار التخصص الجامعي؟
الحقيقة المرة أننا إذا تتبعنا المسار الدراسي للطالب من المرحلة الابتدائية وصولا إلى نهاية التعليم الثانوي، سنجد أنه يتعرف على جميع التخصصات الأدبية والعلمية تقريبا، فهو يدرس الرياضيات ويتذوق الفيزياء ويتعامل مع اللغة العربية ويكتشف التاريخ والجغرافيا وحتى الاقتصاد والفلسفة والعلوم الطبيعية، لكنه طوال هذه السنوات الطويلة لا يمر ولو لمرة واحدة بمادة اسمها القانون أو الثقافة القانونية.
إنه وكأننا نعيش في مجتمع بلا قانون أو أن القانون حكر على فئة محدودة لا يحق للعامة الاقتراب منها. وهذا الواقع يستدعي وقفة جادة لإعادة النظر في المناهج الدراسية من خلال إدماج مادة القانون في جميع المستويات التعليمية، وذلك لأسباب عدة لا تقبل التأجيل أو التجاهل.
فالسبب الأول يتعلق بضرورة تشكيل معرفة مسبقة لدى الطالب بهذه الشعبة قبل أن يجد نفسه مضطرا لاختيارها أو رفضها في مرحلة مصيرية من حياته. فكيف يتوقع من شاب في التاسعة عشرة من عمره أن يقرر ما إذا كان القانون هو مستقبله أم لا، وهو لم يسمع عنه في حياته سوى أنه تخصص المحامين والقضاة الذين يراهم في التلفاز؟
إن إدراج القانون في المراحل الدراسية المبكرة سيمكن الطالب من تكوين فكرة واضحة عن طبيعة هذا التخصص، وعن المهارات التي يتطلبها، وعن المجالات التي يفتحها، مما سيمكنه من اتخاذ قرار مدروس مبني على معرفة حقيقية وليس على أوهام السهولة أو الصعوبة أو الانبهار بصور المحامين في الدراما التلفزيونية.
أما السبب الثاني فيتجاوز البعد الأكاديمي الضيق ليصل إلى بعد مجتمعي وطني أوسع، ألا وهو تنمية الوعي القانوني لدى النشء والشباب. فالمجتمع الذي لا يعرف أفراده حقوقهم وواجباتهم هو مجتمع قابل للانزلاق نحو الفوضى وسوء الفهم وضياع الحقوق، وكم من مشاكل اجتماعية وقانونية كان يمكن تفاديها لو أن المواطن لديه الحد الأدنى من الثقافة القانونية التي تمكنه من فهم التزاماته تجاه الآخرين وحقوقه التي يكفلها له القانون.
إن القاعدة الذهبية التي تقول “لا يعذر أحد بجهله القانون” تظل قاسية وجائرة إن ظل القانون حبيس كليات الحقوق والمجالس القضائية، فكيف نلوم المواطن على جهله بقانون لا يدرسه ولا يتعرض له طوال مشواره الدراسي؟
إن نشر الثقافة القانونية منذ الصغر هو استثمار في مواطن واع يعرف كيف يطالب بحقوقه وكيف يؤدي واجباته وكيف يحترم القوانين لأنه يفهم فلسفتها لا لأنه يخاف عقوبتها.
أما السبب الثالث فيتعلق بجانب عملي ومهني لا يقل أهمية عن سابقيه، وهو خلق فرص شغل حقيقية لخريجي القانون الذين يعانون من بطالة مقنعة وتكدس في المهن التقليدية كالمحاماة والقضاء. ففتح أبواب التدريس أمامهم في مختلف المستويات التعليمية سيوفر آلاف المناصب الشاغرة،
وسيمكن من استثمار خبراتهم القانونية في تكوين أجيال واعية.
وسيخلق ديناميكية جديدة في سلك التدريس الذي غالبا ما يقتصر على خريجي كليات التربية والآداب والعلوم، وسيكون لهؤلاء الأساتذة المتخصصين في القانون دور كبير في تبسيط المفاهيم القانونية للصغار والكبار على حد سواء، بما يناسب كل مرحلة عمرية، ويجعل من المدرسة مؤسسة منتجة للمعرفة القانونية وليست مجرد ناقلة للمعلومات الجافة.
حان وقت رد الاعتبار لهذه الشعبة التي تعد في دول أخرى من أصعب الشعب ليس فقط من حيث شروط الولوج للجامعات التي تتطلب معدلات مرتفعة واختبارات صارمة، بل وأيضا من حيث المكانة الاجتماعية المرموقة التي يحتلها طالب القانون والخريج في تلك المجتمعات.
ففي الوقت الذي تنظر فيه بعض المجتمعات العربية لكلية الحقوق باعتبارها ملاذا سهلا لمن فشل في تحقيق معدلات عالية، نجد في مجتمعات أخرى أن دراسة القانون تعتبر امتيازا لا يناله إلا النخبة المتفوقة، والفارق بين الرؤيتين يصنعه الوعي أولا والتكوين المبكر ثانيا.
إن إدراج القانون في المناهج الدراسية منذ المراحل الأولى ليس ترفا فكريا ولا إضافة شكلية للمواد الدراسية، بل هو ضرورة مجتمعية وتربوية واقتصادية: ضرورة لبناء مواطن يعي حقوقه وواجباته، وضرورة لتوجيه الطلاب نحو خيارات دراسية مدروسة، وضرورة لخلق فرص عمل جديدة،
وأخيرا ضرورة لرد الاعتبار لتخصص القانون الذي طالما أهمل في المناهج الدراسية العربية رغم أنه العمود الفقري لتنظيم المجتمعات وضمان استقرارها وتقدمها.