مستشفى على الورق… ومرضى على الطريق

 

لم يكن مستشفى القرب بإمنتانوت بحاجة إلى حفل تدشين بقدر ما كان بحاجة إلى أطباء في أقسامه، ومداومة فعلية في مستعجلاته، وكرامة محفوظة لمرضاه. فبين ما رُوّج له في الخطب الرسمية عن “صرح صحي نموذجي”، وما يعيشه المواطن البسيط عند باب المستشفى، مسافة شاسعة تختصرها كلمة واحدة: الخيبة.

مستشفى كلف أزيد من مائة مليون درهم، وامتد على خمسين ألف متر مربع، ويفترض أن يخدم مائة ألف نسمة، تحوّل في الواقع إلى محطة انتظار طويلة، أو بوابة عبور نحو شيشاوة ثم مراكش، وكأن دوره الحقيقي ليس العلاج، بل إعادة توجيه المرضى.

أي معنى لمستشفى يتوفر على مركب جراحي، وخدمات إنعاش، وأقسام توليد وأشعة، بينما تُنقل الحوامل والمرضى في سيارات خاصة، ويفترش آخرون كراسي المستعجلات لساعات، في انتظار طبيب غير موجود أو جهاز لا يشتغل أو توقيع إداري مؤجل؟

الأدهى من ذلك أن الأرقام الرسمية المعلنة حول الموارد البشرية لا تجد لها أثرًا في الواقع. أطباء غائبون، مداومة شكلية، أقسام تشتغل بنصف طاقتها، وكأننا أمام مستشفى يشتغل في الكتيبات أكثر مما يشتغل في الميدان.

المشكلة لم تعد في نقص الإمكانيات فقط، بل في فلسفة التدبير نفسها. فبناء المستشفيات دون ضمان تشغيلها الفعلي ليس إصلاحًا، بل هدرًا مقنّعًا للمال العام، وتكريسًا لمنطق الواجهة بدل الخدمة.

القطاع الصحي بأمنتانوت لا يحتاج مزيدًا من الصور التذكارية ولا بيانات التهاني، بل يحتاج قرارًا شجاعًا يقول بوضوح:

إما مستشفى حقيقي يداوي الناس، أو الاعتراف الصريح بأن ما يوجد اليوم ليس سوى مبنى إسمنتي بزيّ صحي.

فالمرض لا ينتظر، والمواطن لم يعد يطالب بالمستحيل، بل فقط بحقه البسيط:

أن يمرض في مدينته… فيُعالج فيها، لا أن يبدأ رحلة علاج تنتهي حيث تبدأ وعود المسؤولين.

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.