قطاع النظافة بامنتانوت… تدبير مفوض أم فوضى تُغرق المدينة في النفايات؟

0

 

تُعدّ عملية التدبير المفوض واحدة من أهم الآليات التي جاءت بها التحولات الحديثة في تدبير المدن والمرافق الحيوية، باعتبارها نموذجًا يتسم بالمرونة والفعالية والتخصص. هذا النمط، المتعارف عليه عالميًا، يقوم على أسس واضحة مثل جودة المردودية، واعتماد تقنيات حديثة، ومساطر مبسّطة تفتقر إليها عادةً المرافق العمومية. ومن أجل ضمان استثمار مربح ومُجدٍ، تُبرم عقود التدبير المفوض غالبًا لمدة سبع سنوات، وهو ما يسمح للشركات بتغطية كلفة الاستثمار الكبير في هذا القطاع، وفق دفاتر تحملات دقيقة تُعدّ أساس المنافسة الشفافة عبر طلبات العروض العمومية.

وبالنسبة لعمال النظافة الذين ظلّوا لسنوات ضمن المصالح البلدية قبل انتقالهم إلى الشركات المفوض لها، فقد تحسن وضعهم الاجتماعي والمادي نسبيًا؛ إذ يتلقون أجورهم بانتظام، إلى جانب تحفيزات مالية قد تتجاوز ألف درهم شهريًا بناءً على مردوديتهم، إضافة إلى امتيازات لم تكن ممكنة في إطار القوانين الصارمة للإدارة الجماعية.

غير أنّ المجالس المنتخبة تبقى، بحكم القانون 54.05 المتعلق بالتدبير المفوض، ملزمة بممارسة الرقابة الجامعة على الشركات المكلفة بالنظافة، باعتبارها السلطة المفوضة للتسيير. وتنصّ المادة 18 من هذا القانون على حق الجماعة في مراقبة العمليات وتدقيقها، وتعيين خبراء، وحضور اجتماعات الشركة، واعتماد آليات للتتبع والجزاءات عند الإخلال بالالتزامات.

ورغم هذا الإطار القانوني الواضح، ما يزال التدبير المفوض لقطاع النظافة بالمغرب يثير جدلًا واسعًا، بسبب تعاقب الشركات على التدبير دون تحسين ملموس للخدمات، حيث تُظهر التجربة أن عددًا من هذه الشركات لا تلتزم سوى جزئيًا ببنود دفاتر التحملات، وهو ما يظهر جليًا في واقع الأحياء والشوارع.

وقد عادت قضية التدبير المفوض إلى الواجهة من جديد بمدينة امنتانوت، عقب الجدل الذي رافق فوز شركة “أرما” التابعة ليوسف أحيزون، ابن عبد السلام أحيزون، بصفقة تدبير قطاع النظافة. المعارضة داخل المجلس الجماعي احتجت على الصفقة بدعوى غياب المعطيات عنها، وعدم كشف قيمتها الفعلية، بينما تحدثت مصادر إعلامية عن رقم يناهز 596 مليون سنتيم سنويًا. وهو رقم اعتبرته المعارضة غير منسجم مع توجيهات وزارة الداخلية، المسؤولة الأولى عن مراقبة قطاع التدبير المفوض.

امنتانوت التي توالت عليها لسنوات شركات “تكميد” و“ديرشبيرك”، قبل أن تحط “أرما” رحالها بها، لم تعرف يومًا استقرارًا فعليًا في قطاع النظافة، بل إن الشارع المحلي ما إن علم بفوز الشركة بالصفقة حتى اندلعت موجة غضب جديدة رافضة لتسلمها القطاع. وضعٌ يتكرر مع كل شركة جديدة، رغم وجود قوانين صارمة وعقود واضحة.

ومن هنا يُطرح السؤال القديم الجديد:

من يراقب هذه الشركات؟

ومن يتحمل مسؤولية تتبع تنفيذ العقود داخل الجماعات؟

أسئلة ظلت معلقة لسنوات دون جواب، في ظل تراخي شركات النظافة عن تلبية أبسط انتظارات المواطنين: شوارع نظيفة، وأحياء بلا أكوام أزبال، وجمع منتظم للنفايات.

وليس المواطن وحده من يتضرر، بل البيئة أيضًا. فضعف الرقابة من طرف المجلس الجماعي يسمح لهذه الشركات بأن تتمدد وتفرض وجودها على الجماعة، دون احترام فعلي للاتفاقات الموقعة. النتيجة على الأرض واضحة: تجاوزات واختلالات صارخة في خدمة تعتبر من أكثر الخدمات ارتباطًا بصحة السكان وجودة حياتهم.

أمل سكان امنتانوت كان كبيرًا في أن تُنهي الشركة الجديدة أزمة النفايات، غير أن الواقع سرعان ما كشف العكس. فالشركة – بحسب المواطنين – تشتغل بإمكانات محدودة، سواء من ناحية الموارد البشرية أو الآليات التي لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة. ليُكتشف لاحقًا أن الصفقة التي فاقت خمسة ملايين درهم لم تُترجم إلى خدمات فعلية، بل بدا وكأن الشركة تسعى فقط لتحقيق أرباح إضافية، دون احترام دفتر التحملات، في ظل غياب شبه تام للمراقبة الجماعية التي تعيش صراعات داخلية وانقسامات حادة.

هكذا وجدت امنتانوت نفسها في أسوأ وضع بيئي منذ سنوات؛ مدينة غارقة في القمامة، تتحول إلى “عاصمة للنفايات”، وفق تعبير عدد من السكان الذين صاروا يعانون يوميًا من النفايات المنزلية المتراكمة، والأزقة الملوثة، والنقط السوداء التي تتكاثر دون تدخل فعلي من المصالح الجماعية. بل إن مطرح النفايات توسع بشكل خطير، مهددًا صحة السكان، فيما تحولت بعض مناطق الوادي إلى نقاط رمي عشوائية.

أما الشاحنات فتمر فقط بشوارع رئيسية، وتترك أغلب الأزقة دون خدمة، بينما وُضع عدد من الحاويات في مناطق ذات كثافة سكانية مرتفعة رغم صغر حجمها، ما يؤدي إلى امتلائها بسرعة وتراكم النفايات حولها، مشكلة بيئة خصبة للبكتيريا والأمراض، في غياب المكتب الصحي الجماعي.

ويؤكد مواطنون أن الآليات لا تُغسل كما يجب، والحاويات لا تُعقم، وفرق الكنس تشتغل فقط في الشوارع الرئيسية، بينما تظل الأحياء الجانبية خارج التغطية، إلى جانب مشاكل أخرى لا حصر لها.

وفي الختام ، يرى عدد من المتتبعين أن المجلس الجماعي يتحمل المسؤولية الكاملة في هذه الفوضى. فهو لم يقم بدوره الرقابي، ولم يفرض غرامات أو جزاءات، وترك المدينة تترنح وسط الأزبال.

أين المكلف بقطاع البيئة؟ وأين عامل الإقليم ليرى ما وصل إليه تدبير قطاع أساسي كهذا؟

أسئلة يطرحها السكان يوميًا، وهم يرون مدينتهم تغرق أكثر فأكثر في النفايات، دون بادرة إصلاح حقيقية، ودون احترام لحقهم في بيئة نظيفة وصحية.

 

 

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.