
بين الشعارات والواقع .. ازدواجية الخطاب في عالم السياسة
في عالم اليوم، تكثر الشعارات البراقة التي ترفعها الأنظمة والتيارات السياسية، من قبيل “الديمقراطية” و”محاربة الفساد”. لكن ما إن يُسلط الضوء على ممارسات تلك الجهات، حتى تنكشف التناقضات الصارخة بين القول والفعل. يصبح السؤال مشروعًا: هل من يرفعون راية الديمقراطية هم حقًا ديمقراطيون؟ وهل من يعلنون الحرب على الفساد هم فعلًا أطهار اليد والنية؟
الديمقراطية، في جوهرها، تعني حكم الشعب بالشعب وللشعب، قائمة على احترام التعددية، وضمان حرية التعبير، والفصل بين السلطات، وتداول السلطة. غير أن كثيرًا ممن يتغنون بها لا يطبقون منها إلا ما يخدم مصالحهم. يجرون انتخابات شكلية، يضيقون على المعارضة، ويتحكمون في الإعلام والقضاء. وهكذا، تتحول الديمقراطية إلى واجهةٍ زائفة، تُستغل فقط لتجميل وجه الاستبداد وتثبيت أركانه.
أما الحرب على الفساد، فهي من أكثر الشعارات استعمالًا في العالم السياسي، خاصة في لحظات الأزمات أو عند السعي إلى كسب شرعية شعبية. غير أن المفارقة المؤلمة أن بعض من يطلقون هذه الحملات، سرعان ما يُكتشف تورطهم في شبكات فساد خفية، أو استغلالهم للملفات القضائية كسلاح سياسي ضد خصومهم، لا كوسيلة حقيقية لتنقية مؤسسات الدولة.
إن ازدواجية الخطاب بين ما يُقال وما يُمارس تُفقد الناس الثقة في السياسة، وتزرع اليأس في النفوس. فحين يرى المواطن أن من يزعمون الدفاع عن الحقوق ينتهكونها، وأن من يعلنون النزاهة يتورطون في المحسوبية والسرقة، تصبح كل الشعارات بلا معنى، وتُختزل السياسة في نظر العامة إلى مجرد لعبة قذرة.
المطلوب إذًا ليس فقط إطلاق الوعود، بل إقامة أنظمة شفافة وآليات للمحاسبة تضمن ألا يُستغل خطاب الديمقراطية أو محاربة الفساد لتحقيق غايات شخصية. فالكلمة تفقد قوتها عندما لا تترجم إلى سلوك، والأمة تخسر كثيرًا حين يصبح الصدق عملة نادرة في سوق السياسة.