صحوة الموسم الفلاحي تشل أوراش البناء وتربك مشاريع البنية التحتية

0

ساهمت التساقطات المطرية الأخيرة في إنعاش الموسم الفلاحي، الذي كان مهدداً بتكرار مشهد الجفاف المتواصل لسنوات. هذا التحسن المفاجئ في الظروف المناخية دفع آلاف العمال الموسميين، الذين كانوا يشتغلون في أوراش البناء ومشاريع البنية التحتية، إلى العودة لقراهم لمزاولة الأنشطة الفلاحية مستفيدين من توفر المياه. الأمر الذي تسبب في شلّ عدد من الأوراش وتعطيل سير الأشغال بشكل غير متوقع.

 

هذا الوضع يفضح هشاشة سوق الشغل في قطاع البناء والأشغال بالمغرب، نظراً لاعتماده الكبير على يد عاملة موسمية غير مستقرة. كما يعكس غياب سياسات فعالة لضمان استقرار الموارد البشرية وتوزيعها بشكل متوازن بين القطاعات. فانسحاب العمال-الفلاحين بشكل مفاجئ أربك الشركات والمقاولات، واضطرها إلى مراجعة تدبير مواردها البشرية وضبط تكاليفها التشغيلية تماشياً مع التزاماتها التعاقدية. وقد أدى هذا النقص الحاد في اليد العاملة إلى ارتفاع كبير في أجور العمال بنسب غير مسبوقة، مما أثر سلباً على الميزانيات التوقعية للمشاريع.

 

في ظل هذا الوضع، ازدادت تعقيدات أزمة التشغيل في قطاع البناء، التي تفاقمت منذ الإعلان عن تنظيم المغرب لمونديال 2030، لتصبح قضية ملحّة تستدعي تدخلاً سريعاً من الحكومة والمقاولات والجهات المكوِّنة للموارد البشرية.

 

ويقترح مهنيون وخبراء حلولاً متعددة لتجاوز هذه الأزمة، أبرزها تعزيز التكوين المهني، تحسين ظروف العمل، وتوظيف التكنولوجيا الحديثة للحد من تأثير نقص اليد العاملة وارتفاع الأجور، وضمان استمرار القطاع في دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية، خصوصاً مع تصاعد الطلب استعداداً للمونديال.

 

ارتفاع غير مسبوق في أجور العمال

 

شهد قطاع البناء، مؤخراً، أزمة حقيقية بسبب الارتفاع الحاد في أجور العمال وقلة اليد العاملة المؤهلة، ما أبطأ وتيرة الأشغال وأربك برامج إنجاز المشاريع. وترجع أسباب هذا الوضع إلى هجرة العمال نحو أوراش أجنبية أكثر ربحية، وعودة العديد منهم إلى أنشطة فلاحية بعد تحسّن الموسم، فضلاً عن ضعف برامج التكوين المتخصصة.

 

وقد ارتفعت أجور العمال المؤهلين بنسبة وصلت إلى 25% خلال عام واحد، مما زاد من تكاليف البناء وأثر على العرض العقاري، بسبب تأخر تسليم المشاريع وانخفاض هوامش الربح.

 

وأكد خالد الصبان، مسؤول الموارد البشرية بمكتب للتشغيل بالدار البيضاء، أن هذه الأزمة تعكس مشكلة هيكلية في تدبير الموارد البشرية بالقطاع. وأوضح أن ارتفاع الأجور يعكس تحسّن شروط العمل من جهة، لكنه يزيد أيضاً من كلفة الإنتاج بشكل يؤثر على الأسعار النهائية للعقارات والجدوى المالية للمشاريع.

 

وأشار الصبان إلى أن استمرار اعتماد القطاع على موسمية اليد العاملة وغياب التكوين المتخصص يمثلان عائقاً حقيقياً، إذ يجد المهنيون صعوبات في إيجاد عمال يتقنون تقنيات البناء الحديثة أو قادرين على الاشتغال في الأوراش الكبرى.

 

ودعا إلى إقرار حلول استراتيجية، من قبيل تطوير برامج تكوين ملائمة عبر شراكات بين القطاعين العام والخاص، مع تحسين ظروف العمل لضمان استقرار العمال وتحفيزهم على الاستمرار بالقطاع.

 

العمالة الأجنبية خيار مطروح

 

في ظل الأزمة الحالية، أصبح خيار اللجوء إلى اليد العاملة الأجنبية أمراً مطروحاً، مع تزايد عزوف المغاربة عن العمل في أوراش البناء. وأمام هذا العجز، برز المهاجرون من دول إفريقيا جنوب الصحراء كبديل حيوي للمقاولين، خاصة في جهة الدار البيضاء-سطات. حيث شكل هؤلاء العمال فرصة لتفادي التأخير في إنجاز المشاريع.

 

لكن هذا الوضع يطرح تساؤلات قانونية، بالنظر إلى أن أغلب هؤلاء المهاجرين يشتغلون دون تصاريح عمل رسمية، في خرق للمادة التاسعة من مدونة الشغل، التي تشترط حصول العمال الأجانب على رخصة.

 

من جهته، اعتبر منير بوعثمان، مقاول وصاحب شركة للأشغال العامة، أن عزوف اليد العاملة المغربية عن قطاع البناء، بسبب اعتباره عملاً شاقاً ومؤقتاً، دفع المقاولات للبحث عن بدائل. وأوضح أن العديد من الشباب يفضلون العمل في قطاعات غير مهيكلة أو الهجرة نحو أوروبا بحثاً عن فرص أفضل.

 

وأشار بوعثمان إلى أن استمرارية الأوراش تستلزم إيجاد بدائل، خصوصاً أن توقفها يكبد الشركات خسائر مالية ويفقدها ثقة المتعاملين. وأكد أن بعض التجارب أثبتت كفاءة المهاجرين الأفارقة والتزامهم، داعياً إلى ضرورة تسهيل المساطر القانونية لمنحهم تصاريح عمل قانونية، مع مراعاة دينامية القطاع وحاجياته المتغيرة.

 

 

 

 

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.