
ذ.كريمة أكتيت: سياسة الاستقطاب المفتوح في الجامعات: كلية الحقوق نموذجاً بين الاكتظاظ وإشكالية التوجيه الجامعي
تمثل سياسة الاستقطاب المفتوح في الجامعات واحدة من أكثر الظواهر إثارة للجدل في مشهد التعليم العالي، خصوصاً في عدد من الدول العربية.
وتبرز كليات الحقوق كنموذج واضح يعكس التناقضات التي تطرحها هذه السياسة، إذ تتحول مع بداية كل موسم جامعي إلى وجهة تستقطب أعداداً كبيرة من الطلبة والطالبات. غير أن التحاق الكثير منهم لا يكون دائماً بدافع الشغف الحقيقي بدراسة القانون أو الرغبة الأكاديمية العميقة، بل غالباً ما يكون نتيجة غياب بدائل أخرى داخل منظومة التعليم العالي.
ويرجع ذلك أساساً إلى طبيعة نظام الولوج إلى هذه الكليات، حيث تبقى أبوابها مفتوحة أمام الحاصلين على شهادة البكالوريا دون اعتماد شروط انتقاء صارمة كما هو الحال في بعض التخصصات الأخرى. ففي الوقت الذي تشترط فيه كليات الطب والهندسة والصيدلة أو بعض مدارس الاقتصاد والتدبير معدلات مرتفعة، تظل كليات الحقوق تعتمد نظام الاستقطاب المفتوح، الأمر الذي يجعلها تستقبل أعداداً كبيرة من الطلبة الذين لم يتمكنوا من الولوج إلى التخصصات التي كانوا يطمحون إليها.
ومع بداية السنة الجامعية الأولى، تشهد مدرجات كليات الحقوق اكتظاظاً واضحاً، حيث تمتلئ القاعات بالطلبة وتتحول أحياناً إلى فضاءات تعج بالحضور إلى درجة يصعب معها توفير ظروف بيداغوجية ملائمة للتكوين. غير أن هذا الاكتظاظ لا يستمر بنفس الوتيرة في السنوات اللاحقة، إذ تبدأ أعداد الطلبة في التراجع تدريجياً مع مرور الوقت.
ويرتبط هذا التراجع بعدة عوامل، من أبرزها اكتشاف عدد من الطلبة أن دراسة القانون ليست بالبساطة التي كانوا يتصورونها. فالتكوين القانوني يتطلب قدرة على التحليل النقدي وفهماً عميقاً للنصوص القانونية، إضافة إلى مهارات في الصياغة الدقيقة وربط القواعد القانونية بسياقاتها المختلفة. لذلك يجد بعض الطلبة أنفسهم غير قادرين على التأقلم مع متطلبات هذا التخصص، مما يدفعهم إلى الانسحاب أو تغيير المسار الدراسي.
كما أن جزءاً آخر من الطلبة يغادرون التخصص ببساطة لأنهم لم يختاروه عن قناعة حقيقية. فكثير منهم وجد نفسه في كلية الحقوق نتيجة غياب التوجيه الدراسي المبكر أو بسبب عدم وضوح الرؤية بشأن مستقبله الأكاديمي والمهني. وهنا تبرز إحدى الإشكالات الأساسية في منظومة التعليم، وهي ضعف آليات التوجيه والإرشاد التي يفترض أن تساعد التلاميذ على اكتشاف ميولاتهم وقدراتهم قبل اتخاذ قرار اختيار التخصص الجامعي.
ومن خلال هذه الصورة، تبدو كلية الحقوق نموذجاً يعكس التناقض بين الكم والكيف في التعليم العالي. فمن جهة تستقبل هذه الكليات أعداداً كبيرة من الطلبة، لكنها من جهة أخرى تواجه صعوبات في ضمان جودة التكوين في ظل الاكتظاظ وضعف التأطير البيداغوجي.
وفي ظل هذا الواقع يظل السؤال مطروحاً حول مدى فعالية سياسات القبول الجامعي الحالية، وحول ضرورة إعادة النظر في آليات التوجيه والإرشاد داخل المنظومة التعليمية. فبدون تطوير حقيقي لهذه الآليات قد تضيع الكثير من الطاقات والمواهب بين تخصصات لم تُختر عن قناعة، وتجارب جامعية لا تعكس دائماً طموحات الطلبة الحقيقية.