
حين يتحول “الكيف” إلى دواء: قصة التحول في المغرب
في مناطق جبلية طالما ارتبط اسمها بزراعة القنب الهندي، تشهد القرى المغربية تحولًا جذريًا في التعامل مع هذه النبتة التي لطالما كانت مرتبطة بالمحظورات. اليوم، لم تعد زراعتها تجري في الخفاء، بل أصبحت جزءًا من اقتصاد منظم يخضع للقانون، ويُفتح أمامه أفق جديد في مجالات الطب والتجميل والصناعة.
من المطاردة إلى التقنين
لأجيال متعاقبة، كانت زراعة “الكيف” تمثل مصدر رزق أساسيًا لآلاف الفلاحين، لكنها كانت محفوفة بالمخاطر الأمنية والملاحقات القانونية. الغالي البادي، فلاح ستيني، يروي تجربته قائلاً: “كنا نعيش في خوف دائم، نزرع لنعيش، لا لنغتني من المخدرات. اليوم، مع القانون الجديد، نشعر بالأمان لأول مرة”.
محمد مخلوف، فلاح آخر، يؤكد هو الآخر أن التعاونيات المرخصة غيّرت حياتهم، وساهمت في إخراج هذه الزراعة من الظل إلى العلن، مضيفًا: “نبيع منتجنا قانونيًا الآن، ويُستخدم لأغراض طبية وتجميلية. أبناؤنا بعيدون عن الخطر”.
قانون جديد.. واقتصاد واعد
القانون 13.21، الذي صدر سنة 2021، شكل نقطة تحول في تاريخ التعامل مع القنب الهندي في المغرب. القانون سمح باستخدام النبتة في مجالات طبية وصناعية وتجميلية، وأدى إلى تأسيس تعاونيات ومقاولات ناشئة تستثمر في هذا المجال بشكل قانوني.
عزيز مخلوف، رئيس تعاونية “بيوكانات”، يوضح أن دخوله المجال جاء بمحض الصدفة بعد متابعة لتجربة مماثلة في بلجيكا. ويضيف: “بدأنا بأبحاث بسيطة ومشروع صغير لا يتجاوز رأسماله 1500 درهم، واليوم نحن جزء من صناعة متنامية”.
من الحقل إلى المختبر
رحلة تحويل القنب من حقل إلى منتج نهائي تمر بسلسلة دقيقة من العمليات. تُستلم المواد الخام من الفلاحين، ثم تُفرز وتجفف، ليُستخرج منها مركب الـCBD، المعروف بفوائده الطبية والتجميلية، دون أن يكون له تأثير نفسي.
عادل حيون، مسؤول الإنتاج في التعاونية، يشرح أن العملية تشمل فصل الأوراق عن البذور، ومعالجتها بشكل منفصل. أما الاستخلاص فيُجرى بتقنية حديثة باستخدام ثاني أكسيد الكربون، كما يوضح أيوب عبد الرحماني، المسؤول عن هذه العملية، مضيفًا أن التقنية آمنة وبيئية.
بعد ذلك، تمر المادة الخام بمراحل تنقية دقيقة لضمان استخلاص مركب الـCBD النقي، كما يشرح أسامة الغروص، مسؤول الجودة.

منتجات مغربية بمعايير دولية
في وحدات إنتاج حديثة، يتم دمج مستخلصات القنب مع مكونات أخرى لإنتاج مكملات غذائية، ومستحضرات تجميل للعناية بالبشرة والشعر، وحتى منتجات للمساعدة على النوم والاسترخاء.
مصطفى العدناني، المسؤول عن الإنتاج، يؤكد أن جميع المنتجات تخضع لترخيص الوكالة الوطنية للأدوية والمكتب الوطني للسلامة الصحية، مع الحرص على ألا تحتوي المنتجات التجميلية على أي نسبة من THC، والمكملات لا تتجاوز 0.3%.
الدكتور محمد أبو الزهور، صيدلاني، يوضح أن هذه المنتجات دخلت فعليًا في وصفات طبية لعلاج الأرق، التشنجات، وآلام المفاصل، بل وحتى أمراض مثل الصرع والباركنسون.

نحو العالمية.. والتحديات قائمة
رغم الانطلاقة الواعدة، لا تزال أمام القطاع تحديات تنظيمية ولوجستية. من بينها صعوبة النقل من المناطق الجبلية، وضمان عدم تسرب المنتجات إلى السوق السوداء، وهو ما يؤكده عزيز مخلوف بقوله: “نواجه مشاكل، لكن بفضل التنسيق مع السلطات، الأمور تحت السيطرة”.
من جهة أخرى، يرى الدكتور يونس كاديل، المتخصص في الأبحاث الصيدلانية، أن المغرب قادر على تطوير أدوية حقيقية من القنب، شرط الاستثمار في البحث العلمي وتعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص.

تجارب من العفو والكرامة
واحد من أبرز المؤشرات على التغيير هو العفو الملكي الذي شمل عددًا من الفلاحين السابقين، ومن بينهم محمد العزوزي، الذي يقول: “العفو غيّر حياتي. لم أعد أخاف على أولادي، واليوم أزرع بشكل قانوني، وأشعر بالكرامة”.

من التهميش إلى التنمية
قصة القنب الهندي المغربي تكتب فصلًا جديدًا: من التهريب إلى الصناعة، ومن الملاحقة إلى التقنين. ما كان يومًا مصدر قلق أصبح اليوم فرصة واعدة للتنمية، شرط أن تترجم هذه الدينامية إلى واقع يعود بالنفع على الفلاحين والمستهلكين على حد سواء.
