
الدكتور الغالي الغيلاني يسلط الضوء على التحولات الدبلوماسية لقضية الصحراء المغربية في ندوة وطنية حول مسار الدبلوماسية الملكية من عيد المسيرة الخضراء إلى عيد الوحدة
المداخلة الكاملة للدكتور الغالي الغيلاني، رئيس المركز الدبلوماسي الدولي وأستاذ باحث بجامعة القاضي عياض، خلال أشغال الندوة الوطنية المنظمة تحت عنوان: «من عيد المسيرة الخضراء إلى عيد الوحدة: مسار الدبلوماسية الملكية الرشيدة.
استهل الدكتور الغالي الغيلاني مداخلته بالتعبير عن شكره وتقديره للجهات المنظمة والشركاء المساهمين في إنجاح هذه الندوة الوطنية، مستحضرًا أهمية هذا اللقاء العلمي الذي يجمع الباحثين والمهتمين لمناقشة قضية الصحراء المغربية ومستجداتها السياسية والقانونية والدبلوماسية.
وفي هذا السياق، قال:
«السيدة الرئيسة المحترمة، قبل أن أدلو بدلوي في هذه المداخلة المتواضعة، والمناسبة شرط، أود أن أغتنم هذه الفرصة لكي أتقدم بأسمى عبارات الشكر والتقدير إلى السيد رئيس جامعة القاضي عياض، وإلى السيد عميد كلية العلوم الإنسانية، وإلى مركز القاضي عياض للعلوم الإنسانية والدراسات القانونية، وإلى كلية العلوم القانونية والسياسية بقلعة السراغنة، وإلى كافة الشركاء الذين أسهموا في إخراج هذه الندوة الوطنية إلى حيز الوجود.
وخصوصًا أننا على بُعد أيام وجيزة من استقبال ذكرى وطنية غالية، هي عيد الوحدة الوطنية، الذي أُعلن عنه في سياق التطورات المرتبطة بقضية الصحراء المغربية بتاريخ 31 أكتوبر 2025».
عيد الوحدة الوطنية ودلالاته السياسية والدبلوماسية:
وتابع الدكتور الغالي الغيلاني حديثه بالتوقف عند الأبعاد التي تحملها هذه المناسبة، موضحًا أنه يمكن إجمالها في ثلاثة أبعاد أساسية، تتمثل في البعد السياسي والدبلوماسي، والبعد الوطني، ثم البعد الإنساني والإقليمي.
وفي هذا الصدد، أوضح أن القرار الأممي رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025 يشكل محطة مهمة في مسار قضية الصحراء المغربية، التي امتد النزاع بشأنها زهاء نصف قرن، بالنظر إلى ما تضمنه بشأن مبادرة الحكم الذاتي المغربية ومكانتها في المفاوضات الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي.
وأضاف أن لهذه المناسبة دلالة وطنية أيضًا، باعتبارها تشكل فرصة لتعبئة مختلف القوى الوطنية والالتفاف حول صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، من أجل الدفاع عن الوحدة الوطنية والترابية، باعتبارهما من الثوابت الدستورية للمملكة المغربية.
أما البعد الثالث، فيتعلق بالجانب الإنساني والإقليمي، حيث أكد المتدخل أن الاحتفاء بهذا اليوم لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مناسبة للانتصار على طرف آخر، بل فرصة لمد اليد إلى الجارة الجزائر وإلى إخواننا في مخيمات تندوف، من أجل فتح آفاق جديدة للحوار والتفاهم، والمشاركة في المسار التنموي الذي تعرفه المملكة المغربية عمومًا، والأقاليم الجنوبية خصوصًا.
واستحضر في هذا السياق معادلة دبلوماسية عنوانها: «لا غالب ولا مغلوب»، بما تعنيه من تغليب منطق التوافق والتعاون على منطق المواجهة.
السياق التاريخي لقضية الصحراء المغربية:
وانتقل الدكتور الغيلاني إلى المحور التاريخي، مستهلًا حديثه بالقول إن الإحاطة بقضية الصحراء المغربية في بضع دقائق ليست بالأمر السهل، بالنظر إلى امتدادها التاريخي وتشعب أبعادها.
وأوضح أنه سيحاول اختصار المداخلة في مسار تاريخي يتيح للطلبة فهم القضية واستيعاب خلفياتها، مؤكدًا أن القضية، من المنظور المغربي، ليست مجرد قضية حدود، بل ترتبط بتاريخ الأمة المغربية ووحدتها الترابية.
وفي هذا الإطار، أشار إلى أن فهم القضية يقتضي العودة إلى السياق التاريخي للملف، واستحضار أهم المكتسبات التي راكمتها المملكة المغربية في عهد صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، إلى جانب مناقشة الإشكالات القانونية المرتبطة بمفهوم تقرير المصير وعلاقته بمبادرة الحكم الذاتي، وتحديد الجهة المختصة بمتابعة الملف داخل الأمم المتحدة، سواء تعلق الأمر بمجلس الأمن أو الجمعية العامة أو اللجنة الرابعة.
كما أشار إلى أهمية الوقوف عند محددات الدبلوماسية المغربية والخطوط التي تعتبرها المملكة أساسية في تدبير القضية الوطنية.
الموقع الجغرافي ومحددات السياسة الخارجية:
وفي حديثه عن الخلفية الجيوسياسية للقضية، أوضح الدكتور الغيلاني أن هناك علاقة وثيقة بين البعد الجغرافي والسياسة الخارجية، باعتبار أن الموقع الجغرافي يشكل أحد المحددات الأساسية التي تؤثر في توجهات الدول وعلاقاتها الدولية.
واستحضر في هذا السياق موقع المغرب بوصفه حلقة وصل بين إفريقيا وأوروبا، مشيرًا إلى أن هذا الموقع شكل، من جهة، مصدرًا للفرص والتبادل والتعاون، لكنه كان، من جهة أخرى، عاملًا جعله في مواجهة الأطماع الاستعمارية.
وبعد استقلال المملكة المغربية سنة 1956، بدأت جهود استكمال الوحدة الترابية عبر مسارات متعاقبة، شملت استرجاع طرفاية سنة 1958، ثم سيدي إفني سنة 1969، إلى جانب مواصلة الترافع الدبلوماسي بشأن الصحراء داخل الأمم المتحدة.
كما تطرق إلى المبادئ التي تقوم عليها السياسة الخارجية المغربية، وفي مقدمتها عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، واللجوء إلى الوسائل السلمية لتسوية المنازعات، وتعزيز التعاون والتعايش بين الشعوب.
سنة 1975.. محطة مفصلية في مسار القضية:
وتوقف الدكتور الغيلاني عند سنة 1975، باعتبارها سنة مفصلية في تاريخ قضية الصحراء المغربية، مستحضرًا ثلاثة تطورات رئيسية.
أولها الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في 16 أكتوبر 1975، والذي تناول الروابط التاريخية والقانونية التي كانت قائمة بين سلطان المغرب وبعض القبائل التي عاشت في الإقليم.
وثانيها المسيرة الخضراء التي أعلن عنها الملك الراحل الحسن الثاني، والتي شكلت محطة بارزة في المسار المغربي من خلال التعبئة الشعبية وتوظيف العمل السلمي والدبلوماسي.
أما التطور الثالث، فيتمثل في إعلان مدريد المؤرخ في 14 نوفمبر 1975، الذي جاء في سياق إنهاء الوجود الاستعماري الإسباني وترتيبات إدارة الإقليم.
ثم انتقل المتدخل إلى التطورات اللاحقة، مشيرًا إلى دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ سنة 1991، وإنشاء بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية، المعروفة باسم «المينورسو»، وما واجهته ترتيبات التسوية من صعوبات مرتبطة، خصوصًا، بتحديد الهيئة الناخبة.
مبادرة الحكم الذاتي والتحولات الدبلوماسية:
وفي سياق حديثه عن تطور المقاربة المغربية، تناول الدكتور الغيلاني مبادرة الحكم الذاتي التي قدمتها المملكة سنة 2007، باعتبارها مقترحًا لتسوية النزاع في إطار السيادة المغربية.
وأوضح أن المبادرة تقوم، وفق التصور المغربي، على تمكين سكان المنطقة من تدبير شؤونهم المحلية عبر مؤسسات تنفيذية وتشريعية وقضائية، وموارد مالية واختصاصات محددة، مع احتفاظ الدولة باختصاصاتها السيادية.
كما ربط هذا التوجه بالتحولات التي عرفتها الدبلوماسية المغربية منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش سنة 1999، من خلال تعزيز العلاقات الإفريقية والدولية، وتوسيع شبكة الشراكات، وتكثيف الترافع داخل المنظمات الدولية.
وأشار كذلك إلى أهمية الحضور الدبلوماسي بالأقاليم الجنوبية، وافتتاح القنصليات العامة، والمشاريع التنموية التي تستهدف تطوير البنية التحتية وتعزيز الاستثمار وتحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية.
وفي هذا السياق، شدد على ضرورة التمييز بين المواقف الدولية الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي، والمواقف المتعلقة بالسيادة والتمثيل الدبلوماسي، مع الاعتماد على المعطيات الرسمية عند تقديم الأرقام والإحصاءات.
تقرير المصير والحكم الذاتي:
ومن بين الإشكالات التي تناولها الدكتور الغيلاني العلاقة بين مبدأ تقرير المصير ومبادرة الحكم الذاتي، باعتبارها من القضايا المركزية في النقاش القانوني المتعلق بالصحراء الغربية.
واستحضر في هذا الإطار ميثاق الأمم المتحدة والعهدين الدوليين لحقوق الإنسان المعتمدين سنة 1966، إلى جانب قرارات الجمعية العامة المتعلقة بتصفية الاستعمار وتقرير المصير.
وأكدت هذه المحطة من المداخلة أهمية التمييز بين المواقف السياسية للدول والمضامين القانونية للقرارات الأممية، مع ضرورة قراءة النصوص الدولية في سياقها الكامل.
كما أثار المتدخل مسألة اختصاصات مجلس الأمن والجمعية العامة واللجنة الرابعة، موضحًا أهمية فهم طبيعة دور كل جهاز في متابعة الملف وتدبير المسار الأممي.
قرار مجلس الأمن رقم 2797.. دلالات المرحلة الجديدة:
وعاد الدكتور الغيلاني إلى قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025، متناولًا أهميته في مسار المفاوضات المتعلقة بالصحراء المغربية.
وربط المتدخل هذا التطور بالجهود الدبلوماسية التي بذلتها المملكة على مدى سنوات، وبالعمل الرامي إلى تعزيز حضورها الدولي وتوسيع دائرة الشراكات الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي.
كما تناول أهمية مواصلة المفاوضات تحت رعاية الأمم المتحدة، ومواصلة المشاورات مع الأطراف المعنية، ومراجعة مستقبل ولاية بعثة المينورسو في ضوء تطورات المسار السياسي.
ومن هذا المنطلق، أكد أهمية النظر إلى القرار باعتباره محطة في مسار دبلوماسي طويل، مع ضرورة التمييز بين ما تضمنه النص الأممي صراحة وما يمكن أن يترتب عليه من آثار سياسية محتملة.
الدبلوماسية الملكية ورهان المستقبل المغاربي:
وفي ختام مداخلته، شدد الدكتور الغيلاني على أن المكتسبات الدبلوماسية لا تتحقق في لحظة واحدة، بل تأتي نتيجة عمل متراكم واستراتيجية طويلة النفس.
واستحضر في هذا السياق فكرة مفادها أن الناس غالبًا ما يرون النتائج، لكنهم لا يرون الاستراتيجية التي أدت إليها، معتبرًا أن فهم تطور الدبلوماسية المغربية يقتضي النظر إلى المسار الذي مهد لهذه النتائج، من تعزيز العلاقات الدولية إلى الترافع الأممي والمشاريع التنموية بالأقاليم الجنوبية.
كما عاد إلى البعد الإنساني والإقليمي، مؤكدًا أهمية الحوار مع الجزائر وفتح آفاق جديدة أمام سكان مخيمات تندوف، بما يتيح تجاوز الخلافات وتعزيز فرص التعاون المغاربي.
وتبرز هذه المقاربة أهمية الجمع بين الدفاع عن الوحدة الترابية والعمل الدبلوماسي والتنمية، مع استحضار الحاجة إلى تسوية سياسية مستدامة تفتح المجال أمام مستقبل أكثر استقرارًا وتكاملًا لشعوب المنطقة.