
من “الرقم الأخضر” إلى كازينو السعدي… الشارع المراكشي يفتح دفاتر الحساب
لم يعد نبض مراكش كما كان. في المقاهي التي اعتادت على همس السياسة، وفي الأزقة التي تكتفي عادة بتبادل الأخبار العابرة، يرتفع اليوم منسوب الغضب. حديث الناس لم يعد عن الطقس أو السياحة، بل عن اعتقالات، وملفات قديمة تعود للحياة، ورقم أخضر صار عنوان مرحلة كاملة.
الرقم الأخضر لم يعد مجرد وسيلة للتبليغ، بل تحول في المخيال الشعبي إلى ما يشبه “سلطة موازية”. في المنارة وجليز، يتداول المواطنون قصصًا عن شكايات كسرت حاجز الخوف، وعن مستثمرين قرروا أخيرًا مواجهة الابتزاز بدل الرضوخ له. كثيرون يرون أن ما تحقق عبر هذا المسار يفوق، في أثره، كل الوعود الانتخابية منذ 2021. الإنجاز، في نظرهم، لم تصنعه الشعارات، بل صنعته يقظة النيابة العامة وتحرك الشرطة القضائية.
وفي خضم هذا التحول، عاد النقاش حول خطاب النزاهة بقوة. اسم فاطمة الزهراء المنصوري يتردد في المجالس مقرونًا بعلامات استفهام ثقيلة. كيف يمكن التوفيق بين وعود تخليق الحياة العامة وسقوط منتخبين في قضايا ارتشاء؟ أكانت الخطب مجرد عناوين براقة تخفي واقعًا مغايرًا؟ أسئلة تُطرح بحدة، وأحيانًا بسخرية لا تخلو من مرارة.
الاحتقان تضاعف مع عودة المستشارة نرجس أشمال إلى ممارسة مهامها بعد تنفيذ عقوبة حبسية بتهمة الارتشاء. الشارع رأى في الخطوة رسالة سلبية، بل استفزازًا لوعي الساكنة. التعليقات الشعبية كانت واضحة: إذا عاد المدان بسهولة إلى موقع القرار، فأين هيبة المسؤولية السياسية؟ وأي معنى تبقى لشعارات النزاهة؟
ولم يعد الأمر محصورًا في الأسماء. المواطن البسيط بدأ يربط بين ملفات الفساد وتعثر التنمية في حياته اليومية. تأخر الرخص، تعطيل المشاريع، الحفر التي لا تُصلح، وضعف الإنارة في بعض الأحياء… كلها، في نظره، ليست تفاصيل معزولة، بل نتائج مباشرة لسوء التدبير وتبديد المال العام. هكذا انتقل النقاش من “فساد سياسي” إلى “وجع يومي” يمس معيش الناس وأمنهم الحضري.
ثم عاد ملف “كازينو السعدي” ليزيد الصورة تعقيدًا. القضية التي ظن البعض أنها طويت، عادت لتؤكد أن بعض الملفات في مراكش لا تموت بسهولة. اعتقال وجوه قديمة أعاد إلى الأذهان مرحلة اعتُبرت عنوانًا لاختلالات عميقة، ورسخ لدى فئة واسعة قناعة بأن جذور الفساد متشعبة وليست ظرفية.
اليوم، يسود في المدينة ترقب واضح. هل ستتوقف التحقيقات عند حدود معينة، أم تمتد إلى من يصفهم الشارع بـ“الرؤوس الكبيرة”، خصوصًا في قطاع التعمير الذي يُنظر إليه باعتباره بؤرة حساسة؟ سؤال يتردد بإلحاح، والجواب لم يتضح بعد.
في المحصلة، تبدو مراكش أمام لحظة فاصلة. الثقة السياسية تعيش أدنى مستوياتها، والرهان لم يعد انتخابيًا فقط، بل مرتبطًا بمدى استمرار مسار المحاسبة. الشارع فتح دفاتر الحساب، ولن يطويها بسهولة.