غزة تفضح توظيف الذكاء الاصطناعي في الإبادة الحديثة

0

لم تعد الحروب الحديثة تُدار فقط بالدبابات والطائرات والصواريخ، بل أصبحت تُخاض أيضًا بالخوارزميات وأنظمة الذكاء الاصطناعي التي تُحدد الأهداف، وتراقب التحركات، وتُسرّع عمليات القتل ببرودة تقنية غير مسبوقة. وفي غزة بدا العالم أمام نموذج جديد من الحروب، حيث جرى توظيف التكنولوجيا المتقدمة في خدمة سياسات الموت والتدمير الجماعي، بما كشف تحولات خطيرة في طبيعة العنف المعاصر.

لقد أظهرت الحرب على غزة كيف يمكن للعقل الأداتي، حين ينفصل عن الأخلاق والقيم الإنسانية، أن يتحول إلى أداة للإبادة. فالذكاء الاصطناعي، الذي قُدم للعالم بوصفه ثورة علمية قادرة على تحسين حياة البشر، دخل مجال الاستخدام العسكري بطريقة جعلته جزءًا من منظومة الاستهداف والقتل، عبر برامج متخصصة في تحليل البيانات وتعقب الأفراد وتحديد مواقعهم بدقة عالية.

وتشير تقارير متعددة إلى اعتماد الجيش الإسرائيلي على أنظمة رقمية متطورة، من بينها برامج تستند إلى الخوارزميات في اقتراح الأهداف ورصد الاتصالات وتحليل الصور والمعطيات الميدانية. وقد أثار ذلك نقاشًا أخلاقيًا واسعًا حول حدود استخدام الذكاء الاصطناعي في النزاعات المسلحة، خاصة حين يتعلق الأمر باستهداف المدنيين أو اتخاذ قرارات قاتلة بسرعة تفوق القدرة البشرية على التحقق والمراجعة.

ولم يتوقف الأمر عند حدود الاستخدام العسكري المباشر، بل امتد إلى المجال الإعلامي والرقمي، حيث لعبت منصات التواصل الاجتماعي دورًا كبيرًا في صناعة الروايات والتأثير على الرأي العام العالمي، وسط اتهامات بازدواجية المعايير والتضييق على المحتوى المتضامن مع الفلسطينيين. وهكذا تحولت التكنولوجيا، في أكثر تجلياتها المعاصرة، إلى ساحة للصراع السياسي والإعلامي والأخلاقي في آن واحد.

لقد كشفت مشاهد الدمار والضحايا في غزة حجم المأزق الذي يواجهه الضمير الإنساني في عصر التقنية المتقدمة؛ فكلما تطورت أدوات المعرفة والاتصال، ازدادت أيضًا قدرة الإنسان على إلحاق الأذى بغيره بطرق أكثر تنظيمًا وفعالية. وهذا ما يدفع اليوم إلى إعادة طرح أسئلة جوهرية حول العلاقة بين التكنولوجيا والأخلاق، وحول مستقبل الذكاء الاصطناعي حين يُوضع في خدمة الحروب وسياسات الهيمنة.

إن ما جرى في غزة لا يتعلق فقط بحرب عابرة، بل يكشف عن ملامح مرحلة جديدة من العنف العالمي، تُستخدم فيها الخوارزميات والبيانات الضخمة والتقنيات الذكية ضمن منظومات السيطرة والقتل. لذلك لم يعد النقاش حول الذكاء الاصطناعي شأنًا تقنيًا محضًا، بل أصبح قضية إنسانية وأخلاقية وسياسية تمس مستقبل البشرية نفسها.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.