أزمة داخلية وخنق خارجي يُقيدان حركة النهضة في تونس

0

تعيش حركة النهضة التونسية واحدة من أشد فتراتها صعوبة، إذ بات نحو 150 من قيادييها بين ملاحق قضائيًا أو في المنفى، بينما أُغلقت مقرات الحزب وتقلص حضوره السياسي إلى الحد الأدنى. من حركة قادت المشهد خلال ما سُمي بـ”الربيع العربي”، إلى كيان شبه غائب منذ أن أحكم الرئيس قيس سعيّد قبضته على السلطة يوم 25 يوليوز 2021.
ومنذ ذلك الحين، أطلقت السلطات حملات اعتقال استهدفت قيادات سياسية وحقوقية بارزة، من بينهم زعيم الحركة راشد الغنوشي، البالغ من العمر 84 عامًا، والذي حُكم عليه بـ22 سنة سجناً، تلتها إدانة أخرى بـ14 سنة بتهمة التآمر على أمن الدولة.

حضور شاحب ومعارضة صامتة
يرى المحلل السياسي صلاح الدين الجورشي أن الحديث عن موت الحركة مبالغ فيه، لكن لا يمكن إنكار أنها “في حالة موت سريري” في ظل غياب قياداتها وتضييق الخناق عليها، رغم احتفاظها بمكانتها كأكبر حزب في مشهد حزبي منقسم وضعيف.
ويقتصر نشاط الحركة راهنًا على إصدار بيانات تندد بالأحكام القضائية ضد قادتها، أو تنتقد الأوضاع السياسية الراهنة. فيما يلاحظ عبد اللطيف الحناشي، أستاذ التاريخ المعاصر، أن هناك “صمتًا مريبًا” يلف الطيف السياسي بأكمله، بما في ذلك النهضة، التي “تنتظر ربما لحظة التغيير”.
أما رياض الشعيبي، مستشار الغنوشي، فيؤكد أن الحركة ليست في موقع ضعف، بل “منكمشة تحت الضغط”، مشددًا على أنها ستستعيد قوتها بمجرد عودة الحريات، كما حدث سنة 2011.
ويُجمع المراقبون على أن هذا الجمود لا يخص النهضة وحدها، بل يعكس خمول المشهد السياسي برمته، في ظل تراجع التعبئة الشعبية وانكماش الأحزاب عن أداء أدوارها المعتادة.

من الحكم إلى الاتهام
منذ صعودها عقب الثورة، لعبت النهضة دورًا محوريًا في الحكم، فكانت جزءًا من الحكومات المتعاقبة وترأست البرلمان، غير أن شعبيتها تراجعت بشكل حاد؛ إذ انخفض رصيدها الانتخابي من 1.5 مليون صوت عام 2011 إلى 560 ألفًا في 2019، بفعل الإخفاقات الاجتماعية والاقتصادية، والانقسامات الداخلية، وعدم التقدم في ملف العدالة الانتقالية.
ورغم عدم ذكره اسم الحركة صراحة، يهاجم الرئيس سعيّد في خطبه ما يصفه بـ”العشرية السوداء”، متوعدًا بـ”محاسبة من أجرم بحق تونس”، مع تأكيده على استقلال القضاء وضمان الحريات في الدستور الجديد المصادق عليه عام 2022.

مساءلة سياسية… ولكن دون ظلم
تتهم السلطات الحالية النهضة بأنها مسؤولة عن التدهور الاقتصادي والفساد، بل ويتهمها خصومها بالمساهمة في انتشار العنف السياسي والإرهاب، لا سيما خلال سنوات ما بعد الثورة. ويعتبر منجي الرحوي، الأمين العام لحزب الوطنيين الديمقراطيين، أن النهضة تتحمل مسؤولية مشتركة مع بقية الأحزاب في “تفقير الشعب وانتشار الفساد”، لكنه يؤكد ضرورة عدم تعريضهم للظلم.

تاريخ من المواجهة
هذه ليست أول أزمة تواجهها النهضة. فقد تعرضت خلال عهدي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي للقمع والسجن والنفي، وكان زعيمها الغنوشي قد حكم عليه بالإعدام في الثمانينيات، قبل أن يُخفف الحكم إلى السجن المؤبد.
ويرى المحلل الجورشي أن انتقال النهضة من المعارضة إلى الحكم سنة 2011 كان خطوة غير محسوبة، كلفتها كثيرًا، بسبب ما وصفه بـ”الأخطاء الكبرى وغياب النقد الذاتي”.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.