
“محكمة النساء الرمزية” بمراكش: شهادات صادمة تكشف الوجه المظلم للعنف الرقمي ضد النساء
احتضن المركب الاجتماعي لوزارة العدل بمدينة مراكش، زوال يوم الجمعة،15 ماي 2026،أشغال الدورة الثالثة والعشرين لـ”محكمة النساء الرمزية”، التي نظمها اتحاد العمل النسائي تحت شعار: “جميعًا من أجل فضاء رقمي آمن يضمن الحماية والكرامة للنساء”، في مبادرة حقوقية وترافعية سلطت الضوء على تنامي مظاهر العنف الرقمي الموجه ضد النساء داخل الفضاء الافتراضي.
وعرفت هذه الدورة حضور مشاركات ومشاركين من مختلف مدن المغرب، من فاعلين حقوقيين وخبراء ومهتمين بقضايا النساء والحقوق الرقمية، في أجواء اتسمت بالتفاعل القوي مع الشهادات الإنسانية والمرافعات القانونية التي كشفت حجم المعاناة النفسية والاجتماعية التي تخلفها الجرائم الإلكترونية في حق النساء.
وافتتحت الجلسة بكلمة لرئيسة الاتحاد، الأستاذة عائشة ألحيان، التي قدمت “قرار الإحالة”، معتبرة أن الفضاء الرقمي تحول في كثير من الأحيان إلى مجال مفتوح للتشهير والابتزاز والاستغلال، في ظل الانتشار المتزايد للحسابات الوهمية وصفحات التشهير وخطابات الكراهية والتنمر الإلكتروني.
وتشكلت هيئة الحكم من الأستاذات والأساتذة عائشة الخماس، فريدة بناني، أحمد أبادرين، فوزية ياسين، عبد القادر القطيب، أنس سعدون، وزينب التيجابي، برئاسة الأستاذة بشرى العاصمي، حيث افتتحت جلسات الاستماع إلى شهادات نساء وفتيات تعرضن لأشكال متعددة من العنف الرقمي.
وقدمت الضحايا شهادات مؤثرة حول تعرضهن للتشهير والابتزاز واستغلال الصور والمعطيات الشخصية، إضافة إلى حملات تنمر ممنهجة أثرت بشكل مباشر على حياتهن النفسية والاجتماعية والمهنية، فيما تحدثت بعض الشهادات عن حالات انقطاع عن الدراسة أو فقدان الإحساس بالأمان والثقة بالنفس بسبب الجرائم الإلكترونية.
وفي الجانب العلمي والمعرفي، أكدت الطبيبة النفسية نادية بادنيني أن العنف الرقمي يترك آثارًا نفسية عميقة قد تصل إلى الاكتئاب والعزلة والتفكير في إيذاء الذات، مشددة على أن الجريمة الإلكترونية لا تنتهي بحذف المحتوى المسيء، لأن آثارها النفسية تستمر لفترات طويلة.
كما تناولت الخبيرة في مجال التكنولوجيات والذكاء الاصطناعي فاطمة رومات خطورة الاستعمالات السلبية للتزييف العميق والذكاء الاصطناعي التوليدي في استهداف النساء عبر صور ومقاطع مزيفة، داعية إلى تطوير تشريعات مواكبة وتعزيز التربية الرقمية والوعي المجتمعي.
من جهته، حذر خبير الأمن السيبراني يوسف بن الطالب من هشاشة الحماية الرقمية لدى عدد كبير من المستخدمين، موضحًا أن العديد من عمليات الابتزاز تنطلق من كلمات مرور ضعيفة أو مشاركة مفرطة للمعطيات الشخصية، مع التأكيد على أهمية التبليغ عن الجرائم الإلكترونية وتعزيز الحماية القانونية والتقنية للضحايا.
وفي مرافعات هيئة الدفاع، التي ضمت الأستاذات جميلة السيوري، زاهية عمومو، نهلة عراش، والأستاذ رفيق اللاجي، تم التأكيد على أن التكنولوجيا ليست هي الخطر في حد ذاتها، بل إن الإشكال يكمن في سوء الاستعمال وغياب التقنين والوعي الرقمي، مع الدعوة إلى إدماج التربية الرقمية داخل المؤسسات التعليمية، وتشديد العقوبات على جرائم التشهير والابتزاز الإلكتروني، وإحداث مراكز إنصات ومواكبة نفسية وقانونية للضحايا.
واختتمت المحكمة الرمزية أشغالها بإصدار حكم رمزي أدان مختلف أشكال العنف الرقمي ضد النساء، داعيًا إلى تعبئة مجتمعية وقانونية من أجل بناء فضاء رقمي أكثر أمنًا وعدالة، وضمان حماية كرامة النساء وحقوقهن داخل العالم الرقمي.