
ذ.أكتيت:من الفضاء الرقمي إلى صمت الصناديق. لماذا يغيب الشباب عن المشهد السياسي ؟
يشكل الشباب في المغرب قوة ديمغرافية كبيرة، إذ تشير معطيات المندوبية السامية للتخطيط إلى أن الفئة العمرية ما بين 15 و29 سنة تمثل نسبة مهمة من ساكنة البلاد. ورغم هذا الحضور العددي القوي، فإن مشاركة الشباب في الحياة السياسية تظل محدودة، سواء من خلال الانخراط في الأحزاب أو عبر المشاركة في الانتخابات. فقد أظهرت الاستحقاقات الانتخابية لسنتي 2016 و2021 أن الفئات الشابة كانت الأقل إقبالاً على صناديق الاقتراع مقارنة بالفئات الأكبر سناً.
غير أن هذا العزوف لا يعني بالضرورة غياب الاهتمام بالشأن العام. فالشباب المغربي يتابع القضايا السياسية والاجتماعية بشكل متزايد عبر الفضاء الرقمي، حيث أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي منصات رئيسية للنقاش والتعبير عن المواقف. كما يظهر هذا الاهتمام من خلال التفاعل الواسع مع قضايا مثل التشغيل والتعليم وارتفاع الأسعار والحريات، فضلاً عن المشاركة في احتجاجات ذات طابع اجتماعي أو مهني.
في المقابل، تعكس هذه الظاهرة وجود أزمة ثقة متزايدة بين الشباب والأحزاب السياسية. فالكثير من الشباب يرى أن الأحزاب لم تعد قادرة على استيعاب تطلعات الجيل الجديد أو فتح المجال أمامه للمشاركة الفعلية في اتخاذ القرار. ويرتبط هذا الشعور بعدة عوامل، من بينها ضعف تجديد النخب الحزبية، وغياب الديمقراطية الداخلية في بعض التنظيمات، إضافة إلى محدودية حضور الأحزاب داخل الجامعات ومؤسسات التكوين.
كما أن الانتخابات نفسها لم تعد تحظى لدى بعض الشباب بالقناعة الكافية بقدرتها على إحداث تغيير ملموس. فالفجوة بين البرامج الانتخابية والنتائج المحققة على أرض الواقع تجعل جزءاً من الشباب يشكك في جدوى المشاركة السياسية، خاصة عندما لا يلمس تحسناً في مجالات حيوية مثل التشغيل أو الخدمات الأساسية.
ولا يمكن إغفال تأثير الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في هذا السياق. فمعدلات البطالة في صفوف الشباب، خصوصاً حاملي الشهادات، تظل مرتفعة مقارنة بالمعدل العام، وهو ما يجعل الاهتمام بالبحث عن فرص العمل أو الهجرة أولوية لدى الكثيرين. وفي ظل هذه الظروف، قد تتراجع المشاركة السياسية أمام ضغوط الواقع المعيشي.
إلى جانب ذلك، يبرز ضعف التنشئة السياسية داخل المؤسسات التعليمية كعامل إضافي يساهم في اتساع المسافة بين الشباب والمؤسسات. فغياب فضاءات حقيقية لتعلم الممارسة الديمقراطية، سواء داخل المدارس أو الجامعات، يجعل علاقة الشباب بالسياسة في كثير من الأحيان علاقة موسمية أو سطحية.
وتظهر هذه الوضعية من خلال عدة مؤشرات، من بينها انخفاض نسب التصويت لدى الشباب، وضعف تمثيلهم داخل المجالس المنتخبة، إضافة إلى انتقال التعبير السياسي من الأطر الحزبية التقليدية إلى الفضاء الرقمي أو الشارع.
في النهاية، لا يمكن تفسير عزوف الشباب عن السياسة على أنه لامبالاة، بل هو في جزء كبير منه تعبير عن أزمة ثقة في آليات التمثيل والوساطة السياسية. فالشباب لا يرفض السياسة في حد ذاتها، بقدر ما يبحث عن صيغ جديدة للمشاركة تكون أكثر شفافية وفاعلية.
ومن هنا، فإن إعادة إدماج الشباب في الحياة السياسية تقتضي إصلاحات عميقة تشمل تجديد الأحزاب، وتعزيز السياسات العمومية الموجهة للشباب، وتوسيع آليات الديمقراطية التشاركية، إلى جانب تقوية التربية المدنية داخل المؤسسات التعليمية. فمستقبل الحياة السياسية في المغرب سيظل مرتبطاً بقدرة المجتمع والمؤسسات على تحويل طاقة الشباب من مجرد نقد واحتجاج إلى قوة اقتراح ومشاركة فعلية في صناعة القرار.