سياسات ترامب التوسعية وإعادة إعمار غزة: بين التهجير والاستثمار
منذ ولايته الأولى، تبنى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سياسة واضحة تجاه حلفائه وخصومه. وعند عودته إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية، لم يضيع الوقت في استكمال استراتيجيته وفق النظام العالمي الجديد. بعد التركيز على الشؤون الداخلية، اتجه اهتمامه نحو الشرق الأوسط، حيث سعى إلى تحقيق أهدافه التوسعية عبر إبرام اتفاق هدنة بين “حماس” وإسرائيل.
إحدى أبرز خطواته المثيرة للجدل جاءت عندما اقترح ترحيل سكان غزة إلى مصر والأردن، وفق خطته الجديدة لإخلاء القطاع وإعادة إعماره. في تصريح له يوم 9 فبراير 2025، قال ترامب: “لا يوجد شيء في غزة للعودة إليه، إنها مجرد أنقاض. سيتم هدم كل شيء وإعادة بنائه”، مشيرًا إلى التزامه بامتلاك غزة وإعادة إعمارها بمشاركة دول أخرى.
ردود الفعل العربية والدولية
أثارت تصريحات ترامب صدمة واسعة، خاصة في الدول العربية المعنية، مثل مصر والأردن، اللتين وجدت نفسيهما أمام تحدٍّ سياسي كبير. فقد أربك هذا القرار العلاقات الإقليمية، خصوصًا بعد عملية “طوفان الأقصى” والتوصل إلى اتفاق تبادل الأسرى عقب الدمار الذي لحق غزة.
وفي لقاء جمع الملك عبد الله الثاني بترامب لمناقشة فكرة استقبال اللاجئين الفلسطينيين، عكست ملامح العاهل الأردني مدى استياء القادة العرب من نهج ترامب، الذي بدا وكأنه يفرض قراراته دون اعتبار لمواقف الدول الأخرى. هذا النهج ليس جديدًا، فقد صرح ترامب في 19 سبتمبر 2024 خلال اجتماع للمجلس الإسرائيلي-الأمريكي في واشنطن قائلاً: “سنجعل إسرائيل عظيمة مرة أخرى”، مما يعكس استمرار سياساته الداعمة لإسرائيل على حساب الفلسطينيين.
“صفقة القرن” وتبعاتها
تمثل هذه التطورات امتدادًا لمشروع “صفقة القرن” الذي روج له مستشاره جاريد كوشنير منذ 2018، والذي أكد عام 2019 أن الاتفاق يشمل تكريس القدس عاصمة لإسرائيل. ورغم دعوات الولايات المتحدة لوقف إطلاق النار، إلا أنها تواصل دعم إسرائيل دون قيد أو شرط، متجاهلة القرارات الدولية.
تشير تقارير الخبراء إلى أن “خطة القرن” التي طُرحت عام 2020 تضمنت رؤية اقتصادية لغزة، حيث تم الترويج لفكرة تحويل القطاع إلى “مركز تجاري مزدهر”، أطلق عليه ترامب لاحقًا اسم “ريفييرا الشرق الأوسط”. هذه الخطة، التي سعى ترامب لتحقيقها منذ ولايته الأولى، ترتكز على تهجير السكان وإعادة تطوير المنطقة وفق مصالحه الاستثمارية.
سياسة العصا والجزرة
تعتمد إدارة ترامب نهج “العصا والجزرة”، حيث يتم تقديم الحوافز الاقتصادية قبل فرض العقوبات. هذه الاستراتيجية تهدف إلى دفع الأطراف الإقليمية للقبول بشروط واشنطن، سواء من خلال تسهيلات تجارية أو عبر التهديد والضغط السياسي.
على عكس الإدارات الأمريكية السابقة التي كانت تمنح إسرائيل حرية التصرف دون محاسبة، يسعى ترامب إلى “حل الصراع” من خلال إنهاء حكم “حماس” في غزة، وتهجير السكان، وإعادة إعمار القطاع بطريقة تخدم مصالحه الاقتصادية، مستغلًا الدول العربية في تمويل هذه الخطط.
الموقف العربي وخطة إعادة الإعمار
في مواجهة هذه الضغوط، تسعى الدول العربية إلى إيجاد حلول تحفظ حقوق الفلسطينيين. حيث اقترحت مصر خطة تعتمد على إعادة إعمار غزة من خلال جهود الفلسطينيين أنفسهم، بما يخلق فرص عمل محلية دون الحاجة إلى تهجير السكان. كما قدمت القمة العربية الطارئة خطة تشمل رفض التهجير القسري، ودعم إعادة الإعمار، وإنشاء لجنة مستقلة لإدارة القطاع.
ورغم الإجماع العربي، رفضت الولايات المتحدة هذه الخطة بحجة أنها “لا تعكس الواقع على الأرض”، مؤكدة أن أي إعادة إعمار يجب أن تتم وفق رؤية أمريكية-إسرائيلية مشتركة لضمان استبعاد “حماس” من المشهد.
التحديات والمستقبل
في ظل هذه التطورات، صعّد ترامب من تحديه للأنظمة الدولية، مشددًا في خطابه أمام الكونغرس على أن “أمريكا وحدها تحدد مستقبل المنطقة”، وأن أي تحركات عربية يجب أن تمر عبر البيت الأبيض.
ويبقى التساؤل مطروحًا: هل ستتمكن جامعة الدول العربية من التصدي لمخططات ترامب ومنع محو قطاع غزة من الخارطة؟ أم أن التوترات ستؤدي إلى تصعيد قد يجر المنطقة نحو صراع جديد؟