
رأسمالية المراقبة: حين تتحول خصوصيتك إلى وقود لأرباح الشركات الكبرى
في عصرنا الرقمي، لم يعد استخدام الإنترنت مجرد وسيلة للتواصل أو البحث، بل تحوّل إلى مصدر ضخم للبيانات تُستخرج منه المعلومات حول حياتنا وسلوكياتنا، لتُباع وتُستغل دون وعي منا. هذا هو جوهر ما تسميه الباحثة الأمريكية شوشانا زوبوف بـ “رأسمالية المراقبة”، وهو نمط اقتصادي جديد يقوم على جمع وتحليل وتوجيه البيانات الشخصية للمستخدمين لأغراض ربحية.
في هذا النموذج، تصبح كل حركة على الإنترنت – من إعجابٍ على منشور، إلى بحث بسيط – بمثابة مادة خام تُحول إلى بيانات سلوكية. هذه البيانات تُباع للمعلنين والشركات الكبرى، وتُستخدم لتوقّع وتحفيز أفعالنا المستقبلية، ما يحوّل حياتنا اليومية إلى سلعة خاضعة للتحليل والتوجيه.
وتقوم رأسمالية المراقبة على مراحل دقيقة: أولًا، الاختراق الخفي لعادات الأفراد، ثم التعويد على استخدام التطبيقات والخدمات، يلي ذلك التكيف السريع مع الانتقادات، وأخيرًا إعادة التوجيه المؤسسي لضمان استمرار السيطرة. والهدف هو تعزيز الإدمان على خدمات تبدو مجانية، لكنها في الواقع تُكلّف المستخدم خصوصيته واستقلاليته.
وتُشير زوبوف إلى أن هذا النظام لا يكتفي بجمع البيانات، بل يسعى إلى إنتاج سلوكيات جديدة، وتشكيل المواقف والرغبات وفقًا لمصالح السوق. فالمستخدم في هذا الإطار لا يُنظر إليه كمواطن حر، بل كمصدر للبيانات يجب استثماره بكل الطرق.
الخطير في هذه الظاهرة أنها تهدد جوهر الديمقراطية وحرية الفرد، إذ تُسهم في خلق تفاوتات اجتماعية جديدة تقوم على المعرفة: الفجوة بين ما تعرفه الشركات عنا، وما نعرفه نحن عن استخدامها لمعلوماتنا.
رأسمالية المراقبة، كما تُصوّرها زوبوف، ليست مجرد تطور في التكنولوجيا، بل تحول عميق في شكل السيطرة الاجتماعية، حيث لم تعد السلطة بيد الحكومات فقط، بل أصبحت أيضًا في يد شركات التكنولوجيا الكبرى، التي تعرف عن الأفراد أكثر مما يعرفونه عن أنفسهم.