
هل تقود تهيئة شارع علال الفاسي إلى اقتلاع صامت للنخيل بمراكش؟ + صور
شهدت المنطقة المحاذية لعمارات الأحباس بحي بوكار يوم الجمعة 13 فبراير الجاري حركة غير مألوفة لآليات وشاحنات الأشغال العمومية، إذ بدأت في اقتلاع عدد من أشجار النخيل التي ظلّت لعقود جزءًا من مشهد الشارع اليومي للساكنة. منظر الجذوع المرفوعة والتربة المتناثرة حول الحفر أثار استغراب المارة وفتح باب التساؤلات حول دوافع هذه العملية وتوقيتها، خصوصًا في سياق استمرار أشغال تهيئة شارع علال الفاسي بمراكش.
بالنسبة لعدد من السكان، لم يكن هذا مجرد تدخل تقني ضمن ورش الأشغال، بل بدا وكأنه إزالة واسعة لغطاء نباتي يمثل جزءًا من هوية الشارع وذاكرة الحي. فالنخيل، برمزيته المحلية وحضوره البصري، لم يكن مجرد عنصر تجميلي، بل مكونًا أصليًا يميز المكان. ولذا، فإن اقتلاعه دفعة واحدة دون أي توضيحات مسبقة جعل العملية تبدو غامضة ومثيرة للريبة.
تزايدت التساؤلات في أوساط الساكنة: من المستفيد من إزالة هذه الأشجار؟ هل هو قرار تقني بحت أم هناك اعتبارات أخرى غير معلنة؟ كما تساءل الكثيرون عن عدد الأشجار التي تم اقتلاعها منذ انطلاق الأشغال، وعن حصيلة النقل التي تتكرر في مناطق مختلفة من الحي. غياب الأرقام الرسمية والمعطيات الدقيقة سمح بانتشار التأويلات، وأصبح كل اقتلاع جديد يغذي شعورًا بأن المساحات الخضراء تتقلص تدريجيًا.
حتى إذا كان القائمون على الأشغال يروجون لفكرة أن الأشجار “تُنقل” لا تُزال، يبقى السؤال الذي يطرحه المواطنون: إلى أين؟ فإعادة الغرس، إن كانت تتم فعلاً، تحتاج إلى تحديد مواقع واضحة وعلنية حتى يطمئن الرأي العام إلى أن الأمر ليس فقدانًا دائمًا للنخيل. والاكتفاء بعبارات عامة يزيد من الشكوك ويجعل العملية أقرب إلى الإزالة الفعلية منها إلى النقل المؤقت.
من الناحية البيئية، يؤكد المهتمون بالشأن الأخضر أن للنخيل المحلي دورًا مهمًا في التوازن الحضري، فهو يخفف الحرارة، يقلل الغبار، يوفر الظل، ويحسن جودة الهواء. وفي مدينة تعرف ارتفاعًا في درجات الحرارة لفترات طويلة، تصبح هذه الوظائف أكثر من مجرد كماليات، بل عناصر ضرورية لراحة السكان. لذا، أي قرار يخص اقتلاع الأشجار يجب أن يخضع لدراسة بيئية دقيقة، تأخذ بعين الاعتبار التأثيرات المباشرة وغير المباشرة على المحيط.
كما يثير التوقيت تساؤلات تقنية. فعملية نقل الأشجار الكبيرة، خاصة النخيل ذو الجذور العميقة، ليست خطوة بسيطة. نجاح النقل يتطلب موسماً مناسباً، تقنيات دقيقة لاقتلاع الجذور دون إتلافها، ورعاية لاحقة تشمل السقي والمتابعة المنتظمة. وفي حال غياب هذه الشروط، قد لا تنجو نسبة مهمة من الأشجار، فيصبح النقل شكليًا، وتنتهي العملية بخسارة فعلية للغطاء النباتي.
يرى بعض الفاعلين المحليين أن أصل المشكلة لا يكمن بالضرورة في مشروع التهيئة نفسه، بل في ضعف التواصل حوله. فلو تم إشراك الساكنة وإطلاعها على تفاصيل العملية وعدد الأشجار المعنية وخطة التعويض أو إعادة الغرس، لكان النقاش أكثر هدوءًا وأقل توترًا. الشفافية ليست رفاهية إدارية، بل شرط أساسي لبناء الثقة بين المؤسسات والمواطنين.
وتبرز تساؤلات قانونية أيضًا: هل توجد تراخيص رسمية لإزالة هذه الأشجار؟ وما المبررات التقنية أو العمرانية للقرار؟ وهل تم التفكير في بدائل، مثل إدماج النخيل ضمن التصميم الجديد للشارع بدل اقتلاعه؟ هذه الأسئلة لا تعكس موقفًا معارضًا للتنمية، بل رغبة في التوفيق بين التحديث والحفاظ على البيئة.
وتذهب بعض الأصوات أبعد، متسائلة عما إذا كانت اعتبارات تجارية أو مصالح خاصة وراء تسريع الإزالة، خصوصًا في المناطق القريبة من المحلات والواجهات. ورغم أن هذه الفرضيات تبقى ضمن إطار الشكوك، فإن غياب المعلومات الدقيقة يسمح بانتشارها. وعندما تغيب التوضيحات الرسمية، يملأ الفراغ التأويل.
في النهاية، ما يحدث بجوار عمارات الأحباس ليس مجرد حادثة عابرة، بل مؤشر على ضرورة إعادة التفكير في تدبير الفضاء الأخضر داخل المدينة. التنمية الحضرية لا تعني بالضرورة التضحية بالطبيعة، بل يمكن أن تكون فرصة لتعزيزها إذا تم التخطيط بشكل متوازن. الأشجار ليست عائقًا أمام التقدم، بل جزءًا من جودة الحياة التي يسعى إليها الجميع.
ويبقى مطلب الساكنة واضحًا: معرفة الحقيقة كاملة. كم شجرة اقتلعت؟ إلى أين نُقلت؟ وهل ستعود إلى الحياة في مكان آخر؟ أسئلة مشروعة تنتظر إجابات صريحة، فالمدينة ليست فقط طرقًا ومبانٍ حديثة، بل أيضًا ظل نخلة وذاكرة مكان.
