من سبتة إلى أوروبا.. محلل سياسي يوضح لـ«أنباء مراكش» مصير المهاجرين بعد عبور الحدود

0

أعادت موجات الهجرة غير النظامية الأخيرة، خاصة تلك المرتبطة بمدينة سبتة المحتلة، طرح أسئلة كثيرة حول ما ينتظر المهاجرين بعد الوصول إلى الضفة الأخرى، وما إذا كان عبور الحدود يمثل فعلاً نهاية رحلة البحث عن مستقبل أفضل، أم أنه مجرد بداية لمسار آخر أكثر تعقيداً.

وفي هذا السياق، أوضح الأستاذ محمد بنطلحة الدكالي، أستاذ القانون الدستوري وعلم السياسة بجامعة القاضي عياض، في تصريح لـ«أنباء مراكش»، أن الصورة التي يحملها بعض الشباب عن الوصول إلى أوروبا غالباً ما تكون مختلفة عن الواقع، مشدداً على أن الوصول بطريقة غير نظامية لا يعني بالضرورة الحصول على الإقامة أو ضمان الاستقرار.

وأوضح بنطلحة الدكالي أن ظاهرة الهجرة غير النظامية ترتبط بعوامل اجتماعية واقتصادية متعددة، من بينها شعور بعض الشباب بانسداد الأفق واعتقادهم بأن الرحيل قد يشكل فرصة أخيرة لتغيير ظروفهم. واستحضر في هذا الصدد فيلم «حراقة» للمخرج الجزائري مرزاق علواش، باعتباره عملاً سينمائياً يجسد جانباً من حجم اليأس الذي قد يدفع بعض الشباب إلى المخاطرة بحياتهم.

وأشار المتحدث إلى أن الهجرة غير النظامية لم تعد ظاهرة مرتبطة بمنطقة جغرافية واحدة، بل أصبحت مسألة عالمية تمتد مساراتها من الحدود المكسيكية الأمريكية إلى معبر دارين بين كولومبيا وبنما، مروراً بالبحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، في وقت لا تزال هذه الرحلات تتسبب سنوياً في سقوط آلاف الضحايا والمفقودين.

وبخصوص ما يحدث بعد الوصول إلى الأراضي الأوروبية، أوضح الأستاذ الجامعي أن مرحلة ما بعد العبور تخضع لمساطر قانونية وإدارية دقيقة، تشمل التحقق من الهوية والوضع الصحي والأمني وتسجيل البيانات البيومترية، قبل تحديد الوضع القانوني الذي ينطبق على كل مهاجر وفق حالته.

وأضاف أن السياسة الأوروبية في مجال الهجرة واللجوء أصبحت تتجه بشكل متزايد نحو تشديد مراقبة الحدود، وتسريع دراسة الملفات، إلى جانب تنفيذ قرارات العودة في الحالات التي لا تتوفر على شروط قانونية للبقاء.

وأكد أن دخول الأراضي الأوروبية بطريقة غير نظامية لا يمنح صاحبه تلقائياً حق الإقامة، بل قد يجد نفسه أمام إجراءات قانونية وإدارية تنتهي، في بعض الحالات، بقرار يقضي بمغادرة التراب الأوروبي.

وفي ما يتعلق بمدينة سبتة المحتلة، شدد بنطلحة الدكالي على أن الوصول إليها لا يعني تلقائياً السماح بالانتقال إلى إسبانيا القارية أو باقي دول الاتحاد الأوروبي، موضحاً أن التنقل من المدينة إلى مناطق أخرى يظل خاضعاً للرقابة والشروط القانونية التي تفرضها السلطات الإسبانية.

وتطرق المتحدث كذلك إلى وضعية القاصرين، موضحاً أن الاعتقاد بأن الوصول إلى أوروبا قبل بلوغ سن الرشد يشكل ضمانة دائمة للبقاء، يبقى تصوراً غير دقيق. فالقاصر يستفيد من آليات الحماية والرعاية خلال فترة قصوره، غير أن بلوغه سن الثامنة عشرة يجعله خاضعاً للقواعد العامة المتعلقة بإقامة الأجانب، ويصبح مطالباً باستيفاء الشروط القانونية اللازمة لتسوية وضعيته أو تجديد إقامته.

كما لفت إلى أن التدفقات الكبيرة للمهاجرين، مثلما حدث في سبتة المحتلة، قد تضع منظومات الاستقبال والإيواء والحماية أمام ضغوط كبيرة، خصوصاً في الحالات التي تشمل أعداداً مرتفعة من القاصرين، وهو ما يستدعي تعزيز آليات الاستقبال والتكفل بهم وفق مقاربة تجمع بين البعد القانوني والإنساني.

ويرى بنطلحة الدكالي أن معالجة الهجرة غير النظامية لا يمكن أن تقوم على المقاربة الأمنية وحدها، بل ينبغي أن تبدأ أيضاً من توفير المعلومة الصحيحة للشباب، وتعزيز التوعية والتعليم والتكوين، وخلق فرص حقيقية تساعدهم على بناء مستقبلهم داخل بلدانهم.

وختم الأستاذ محمد بنطلحة الدكالي حديثه بالتأكيد على أن الرحلة نحو الضفة الأخرى قد لا تستغرق سوى وقت قصير، لكن ما يأتي بعدها قد يمتد لسنوات، في إشارة إلى التعقيدات القانونية والاجتماعية التي قد يواجهها المهاجر بعد العبور.

واستحضر في هذا السياق المشهد الختامي من فيلم «حراقة»، حيث يختفي القارب في الأفق بينما تظل مصائر ركابه مجهولة، قبل أن تظهر أرقام الضحايا، في صورة تختزل، بحسبه، الجانب الإنساني القاسي لرحلات الهجرة غير النظامية.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.