مبادرة “الأطلسي” المغربية: بوابة نحو إفريقيا جديدة واستراتيجية جيوسياسية طموحة

0

في تحرك جيوسياسي لافت يحمل أبعاداً استراتيجية عميقة، أطلق الملك محمد السادس مبادرة “الأطلسي” التي تهدف إلى ربط دول الساحل الإفريقي، خاصة مالي، النيجر، بوركينا فاسو وتشاد، بالمحيط الأطلسي عبر ممرات لوجستية ضخمة تمرّ عبر الأراضي المغربية. هذا المشروع الطموح، الذي وصفه العاهل المغربي بأنه سيكون بمثابة “تحول اقتصادي جذري”، يُنتظر أن يُحدث تغييرات نوعية في المشهد الإفريقي، خصوصاً في منطقة تعاني من عدم الاستقرار والانقلابات المتتالية.
ولا تقتصر هذه المبادرة الملكية على الجانب التنموي فقط، بل تحمل معها رؤية شاملة لتعزيز موقع المغرب كقوة إقليمية فاعلة، وتكريس حضوره في العمق الإفريقي، عبر مشاريع مهيكلة، أبرزها ميناء الداخلة الأطلسي، الذي يُرتقب أن يتحول إلى أحد أكبر الموانئ في إفريقيا، باستثمار يفوق 1,2 مليار يورو، وقد بلغت نسبة إنجازه حالياً نحو 38%.
وتأتي هذه الخطوة المغربية في ظرفية إقليمية متوترة، خصوصاً مع التدهور الملحوظ في العلاقات بين الجزائر ودول الساحل، بعد اتهامات موجهة للجيش الجزائري بإسقاط طائرة مسيرة تابعة للجيش المالي، ما دفع دول مجموعة الساحل (AES) إلى سحب سفرائها من الجزائر، في مؤشر يعكس حجم القطيعة.
خلال زيارتهم الأخيرة للمغرب، عبّر وزراء خارجية مالي وبوركينا فاسو والنيجر عن تقديرهم لموقف الرباط، واصفين إياه بـ”المتفهم” والداعم في وقت كانت فيه دولهم تواجه عزلة إقليمية، وتهديدات بتدخل عسكري من منظمة “الإيكواس”. وأكدوا أن المبادرة المغربية تشكل بمثابة “طوق نجاة اقتصادي واستراتيجي” لشعوبهم.
لكن في المقابل، تبقى التحديات جسيمة. فالمسافات بين المغرب وهذه الدول شاسعة (تتجاوز 3000 كيلومتر في اتجاه تشاد)، والبنيات التحتية في هذه البلدان لا تزال محدودة، إضافة إلى الخطر الأمني الكبير الذي تمثله الجماعات المسلحة في منطقة الساحل، ما يجعل تنفيذ المشروع مرهوناً بعودة الاستقرار إلى هذه الرقعة الحيوية من القارة.
رغم كل ذلك، يرى العديد من المحللين أن المغرب أمام فرصة تاريخية لتحويل تعثر القوى الغربية في إفريقيا إلى مكسب استراتيجي خاص به. فبفضل موقعه الجيوسياسي ونهجه المتوازن بين إفريقيا وأوروبا، أصبح شريكاً موثوقاً في نظر العديد من الفاعلين الدوليين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، فرنسا، ودول خليجية أبدت دعمها الواضح للمبادرة.
وفي وقت تُمعن فيه الجزائر في خيار الانغلاق السياسي والإقليمي، يبدو أن المغرب يواصل توسيع أدواره وتعزيز حضوره على أكثر من واجهة، في خطوة قد ترسم ملامح جديدة لإفريقيا تسير نحو الانفتاح والتكامل.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.