
سندات على المقاس: افتحاص مالي يفضح تفتيت الصفقات وتوجيهها
باشرت المفتشية العامة للمالية عمليات افتحاص دقيقة لمجموعة من الصفقات العمومية التي أبرمت عبر ما يُعرف بـ”سندات الطلب”، وسط مؤشرات قوية على وجود تلاعبات واستغلال لهذه المسطرة الاستثنائية في منح عقود لمقاولات بعينها، في خرق واضح لمبدأ المنافسة والشفافية.
وتفيد مصادر مطلعة بأن عمليات التدقيق، التي استهدفت مؤسسات ومقاولات عمومية، كشفت عن اختلالات كبيرة تمثلت أساسًا في تفتيت الصفقات العمومية وتفصيل “سندات طلب” على مقاس شركات “محظوظة”، رغم تقدم منافسين آخرين بعروض أقل تكلفة.
المفتشون طالبوا بوثائق رسمية من مقاولة ومؤسستين عموميتين، في سياق تحقيق شامل حول نفقات تجاوزت 130 مليون درهم، جرى تجزئتها بشكل متعمد للالتفاف على مسطرة طلبات العروض، وتمريرها على شكل سندات طلب، بما يخالف المقتضيات القانونية.
وتمحورت مهام الافتحاص كذلك حول مدى احترام الجهات المتدخلة لمرسوم الصفقات العمومية، خاصة ما يتعلق بنشر إعلانات الشراء وفتح باب التنافس أمام المتعهدين، وهي شروط تم تجاهلها في حالات متعددة، ما فتح الباب أمام شبهات “تفويت موجه” لفائدة مقاولات بعينها، بعضها على صلة بمسؤولين داخل المؤسسات المعنية.
وكشفت التحقيقات عن حالات مفرطة في اللجوء إلى سندات الطلب، خاصة بعد رفع سقفها المالي من 200 ألف إلى 500 ألف درهم، وهو ما أتاح لمصالح الشراء والصفقات تمرير طلبات بأساليب لا تخلو من المحاباة، كما رُصد غياب لجان مختصة تتولى اختيار المتنافسين أو تتأكد من جودة الخدمات المقدّمة.
المفتشون توقفوا أيضًا عند غياب مبررات واضحة لإسناد سندات لشركات عرضت أثمانًا أعلى من غيرها، ما تسبب في خسائر مالية للمؤسسات العمومية المعنية، وأثار شكاوى من مقاولات أقصيت رغم استيفائها شروط التنافس.
في السياق ذاته، سبق للمجلس الأعلى للحسابات أن نبّه، في مذكرة حول تنفيذ النفقات العمومية عبر سندات الطلب، إلى ضعف نظام المراقبة الداخلية، واستغلال الطبيعة التيسيرية لهذه المسطرة للتحايل على القانون. وأكد على أن الغياب الفعلي للمنافسة أدى إلى تكرار إسناد الطلبيات إلى نفس المتعهدين، أحيانًا عبر عروض صورية لا تعكس منافسة حقيقية.
وتأتي هذه التحقيقات في وقت يتزايد فيه الضغط لتكريس الشفافية وترشيد الإنفاق العمومي، وسط مطالب بتشديد الرقابة على مساطر الصفقات، وتقييد اللجوء إلى سندات الطلب إلا في الحالات المستحقة فعلًا.