دوارة العيد.. سعر مرتفع وبديل غير متوقع في ظل تعليق الذبح

0

تشهد أسعار اللحوم الحمراء في المغرب، وخاصة ما يُعرف بـ”الدوارة”، تقلبات حادة ومتكررة بين الارتفاع والانخفاض المفاجئ، وسط توقعات بزيادة جديدة مع اقتراب عيد الأضحى، رغم القرار الرسمي بتعليق شعيرة الذبح هذا العام، وذلك استجابة لجفاف وتراجع أعداد الماشية الوطنية.

 

وعلى الرغم من هذا القرار غير المسبوق، تشهد الأسواق حركة نشطة، حيث يلجأ المواطنون إلى شراء مكونات الأضحية الرمزية مثل الكبد والدوارة كاملة (الكرشة، الرئة، الكبد، القلب)، في محاولة للحفاظ على روح العيد وتقاليده حتى من دون وجود كبش فعلي.

 

في مشهد يعكس تمسك المجتمع بطقوس العيد، تشهد محلات الجزارة والأسواق الشعبية في المدن الكبرى ازدحاماً شديداً وطلباً مرتفعاً على “الدوارة”، ما أدى إلى ارتفاع أسعارها إلى مستويات غير مألوفة، حيث بلغ سعرها بين 400 و500 درهم في بعض المدن، وسط غياب واضح لآليات الرقابة التي تضمن استقرار الأسعار وتنظيم السوق.

 

ويرجع بعض المهنيين، في تصريحات لـ”الجريدة 24″، هذا الارتفاع إلى تقليص عمليات الذبح وانخفاض العرض مقابل تزايد الطلب، خصوصاً مع حظر ذبح الأضاحي وفرض قيود صارمة على ذبح الإناث، مما خلق وضعاً استثنائياً استغله بعض الوسطاء لتحقيق أرباح كبيرة على حساب المستهلكين.

 

ورغم الدعوة الملكية التي صدرت قبل أشهر لتعليق شعيرة الذبح بهدف الحفاظ على القطيع الوطني ومراعاة الظروف الاجتماعية والاقتصادية، لم يشهد السوق تراجعاً في الإقبال كما كان متوقعاً.

 

بل على العكس، تحولت “الدوارة” إلى بديل شعبي رمزي للأضحية، يعيد من خلاله المغاربة إحياء جزء من طقوس العيد ويخفف من الشعور بالغياب والحنين لشعيرة ظلت لسنوات طويلة ركيزة من تقاليد المجتمع.

 

وأعرب العديد من المواطنين عن تمسكهم الروحي والاجتماعي بمظاهر العيد، معتبرين أن غياب الخروف لا يعني إلغاء العيد، بل هو فرصة للتأقلم مع واقع اقتصادي صعب دون التخلي عن الطقوس العائلية التي تميز هذه المناسبة.

 

ويظهر التحول في سلوك الاستهلاك من خلال اكتفاء بعض الأسر بشراء أجزاء صغيرة من لحم الغنم كبديل للأضحية، ما أدى إلى زيادة الضغط على سلاسل التوريد.

 

كما لجأ بعض الجزارين إلى ذبح عدد محدود من الأبقار تحت مراقبة بيطرية، بهدف بيع الأحشاء فقط، فيما استوردت شركات كميات من “الدوارة” المجمدة لسد جزء من النقص، في محاولة لتلبية الطلب المفاجئ.

 

هذا التغيير الاجتماعي اللافت لم يخلو من مشاعر الغضب والامتعاض لدى فئات واسعة، خصوصاً الأسر محدودة الدخل التي تجد نفسها مضطرة لمجاراة الأسعار المرتفعة أو التخلي عن تقاليد العيد.

 

وعبر العديد من المواطنين عن استيائهم من غياب تدخل السلطات لضبط الأسعار ومواجهة ما وصفوه بـ”جشع الوسطاء”، مؤكدين أن عيد الأضحى تحوّل إلى عبء اقتصادي في السنوات الأخيرة، في ظل نقص سياسات فعالة لحماية القدرة الشرائية ومراقبة السوق.

 

وتثير هذه الظاهرة تساؤلات حول جدوى أجهزة الرقابة ومدى التزام الجهات المسؤولة في تنظيم السوق ومنع التلاعب بالأسعار. فبينما تعلن الحكومة عن إجراءات لحماية المستهلك، يرى المواطنون أن الواقع يعكس غياب إرادة حقيقية لوضع حد لممارسات الاحتكار والاستغلال الموسمي.

 

في المقابل، يرى بعض المهنيين أن الإقبال الكبير على “الدوارة” يعكس عمق الهوية الثقافية والاجتماعية للمغاربة، وقدرتهم على التكيف مع المستجدات دون فقدان جوهر المناسبة، رغم غياب الأضحية التقليدية.

 

ويؤكد باحثون في علم الاجتماع أن هذه المرونة الثقافية تظهر قدرة المجتمع المغربي على مواجهة الأزمات دون فقدان الشعور الجماعي أو الرمزية الدينية للمناسبات.

 

وقد ترك القرار الملكي الخاص بتعليق شعيرة الذبح صدى واسعاً داخل المجتمع، حيث استقبله الأغلبية بتفهم كبير، معتبرين إياه مبادرة تضامنية تحفظ القطيع الوطني وتراعي الظروف الاقتصادية الصعبة.

 

وجاء القرار بعد سنوات من الجفاف وتراجع الموارد المائية، مما أثر على الثروة الحيوانية وأجبر المملكة على اتخاذ إجراءات وقائية لضمان الأمن الغذائي.

 

وفي ظل هذه الظروف، أصبحت “الدوارة” أكثر من مجرد طعام موسمي، بل رمزاً ثقافياً واجتماعياً يحمل ذاكرة جماعية عميقة، ويجسد قدرة الناس على الاحتفال رغم التحديات، من خلال وجبة بسيطة تذكر بالدفء العائلي وتعوض غياب الخروف.

 

وبذلك، يظل عيد الأضحى هذا العام مناسبة تجمع بين التأمل في مفاهيم التضحية والانتماء، وفرصة لإعادة التفكير في علاقة المجتمع بالاستهلاك الموسمي، وتجديد الفهم الديني والاجتماعي للشعائر بما يتماشى مع تحديات العصر.

 

 

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.