التقاعد بالمغرب بين مفترق الطرق: معادلة صعبة بين العدالة الاجتماعية واستدامة الصناديق

0

 

يشكل ملف إصلاح التقاعد في المغرب تحديًا كبيرًا يجمع بين الضغط الاجتماعي لمطالب رفع قيمة المعاشات، والضرورة الملحة للحفاظ على التوازنات المالية لصناديق التقاعد. وفي خضم هذه التحديات، عكست نتائج اجتماع اللجنة الوطنية لمتابعة ملف التقاعد في يوليوز 2025 إرادة سياسية واضحة للحكومة، تعتمد مقاربة تشاركية تهدف إلى تحقيق إصلاح شامل يوازن بين حقوق المتقاعدين وواقع المالية العمومية.

تعكس هذه المخرجات توافقًا أوليًا حول آليات العمل، حيث أُسندت مهمة إعداد تصور موحد للجنة تقنية تضم ممثلين عن النقابات، وأرباب العمل، والقطاعات الحكومية، والصناديق المعنية. وتأتي هذه الخطوة في سياق استمرار الضغوط النقابية الرافضة لأي مساس بالمكتسبات، وخاصة فيما يخص ما يُعرف بـ«الثالوث الملعون» من رفع سن التقاعد، زيادة الاقتطاعات، أو تخفيض قيمة المعاشات.

يبرز الخبير المالي محمد عادل إيشو أن إصلاح التقاعد لا يجب أن يُقصر على التوازنات المحاسبية فقط، بل يجب أن يتعامل مع الملف كقضية اجتماعية حيوية تتطلب مسؤولية مشتركة بين مختلف الأطراف. مع التأكيد على ضرورة حماية حقوق المتقاعدين الذين قضوا سنوات في خدمة الوطن، مع الأخذ في الاعتبار الضغط المتزايد على المالية العمومية.

وتشير بيانات رسمية إلى أن أنظمة التقاعد تغطي ملايين المنخرطين والمتقاعدين، مع وجود عجز تقني مستمر في بعض الصناديق، في حين تحقق صناديق أخرى نتائج إيجابية. ويُظهر الواقع أن المتقاعدين في القطاع الخاص يواجهون تحديات كبيرة، حيث يعاني كثيرون من انخفاض قيمة المعاشات مقارنة بتكاليف المعيشة.

بدوره، يرى عبد الرزاق الهيري، أن الحلول التقليدية التي تركز على رفع سن التقاعد أو زيادة الاقتطاعات أو خفض المعاشات لا تلقى قبولًا من النقابات أو المتقاعدين، وأن الحلول ينبغي أن تتجه نحو إصلاحات مبتكرة تدعم خلق فرص الشغل ومحاربة الاقتصاد غير المهيكل.

ويشدد الهيري على أن الإصلاح يحتاج إلى رؤية اقتصادية واجتماعية شاملة تراعي الأبعاد البنيوية للمشكلة، مثل تآكل القدرة الشرائية وارتفاع متوسط العمر، مع التأكيد على أن تحسين جودة المعاشات أمر حيوي للطبقة الشغيلة ومرحلة الشيخوخة.

في ظل هذه المعطيات، يبقى ملف التقاعد بالمغرب على مفترق طرق بين تحقيق العدالة الاجتماعية وضمان استدامة الصناديق، في انتظار توافق وطني يراعي مصالح جميع الفئات ويضع الإنسان في قلب النموذج التنموي الجديد.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.