
“مسار الإنجازات”: أخنوش يضع التجمع الوطني للأحرار أمام اختبار الاستمرارية والتجديد
الدار البيضاء – لم يكن إصدار كتاب “مسار الإنجازات” من قبل حزب التجمع الوطني للأحرار حدثًا عابرًا، ولا مجرد خطوة تواصلية تواكب نهاية الولاية الحكومية، بل لحظة سياسية محورية تعكس تقاطع الحصيلة مع التقييم، والاستمرارية مع التجديد، والنتائج مع سؤال المستقبل السياسي للحزب. ويتزامن هذا الإصدار مع إعلان عزيز أخنوش مغادرة قيادة الحزب، ما يمنح له بعدًا يتجاوز التوثيق ليصبح أداة للتأطير السياسي لمرحلة كاملة.
التراكم كخيار استراتيجي.
منذ المؤتمر الوطني السادس، اعتمد الحزب على منطق المسارات المتتالية بدل القفزات الظرفية. فمسار الثقة لم يكن مجرد شعار انتخابي، بل محاولة لإعادة بناء العلاقة مع المواطنين وسط تراجع الثقة في العمل الحزبي. كما ارتبطت أولويات الحزب في مجالات الصحة والتعليم والتشغيل بخلاصات اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي، في انسجام مع النقاش الوطني حول التنمية المستدامة.
لاحقًا، عمّق “مسار المدن” هذا التوجه بالانتقال إلى الفعل الميداني، مع التركيز على القرب والاستماع، وتحويل الخطاب الحزبي إلى التزامات ملموسة. بينما ركز “مسار التنمية” على المستوى الترابي، معترفًا بدور المنتخب المحلي في معادلة التنمية، ومترجمًا ذلك عبر تعزيز الموارد الذاتية للجماعات الترابية ودعمها بمقررات مالية ومؤسساتية.
اختبار التدبير الحكومي
يأتي “مسار الإنجازات” اليوم كمرحلة اختبار للتحول من حزب مسارات إلى حزب تدبير حكومي، في سياق عالمي واستثنائي تخللته أزمات صحية واقتصادية ومناخية. فالكتاب لا يدعي تقديم حصيلة نهائية، بل يطرح قراءة تقييمية قائمة على الاعتراف بالإنجازات دون تجاهل الأوراش المفتوحة، محاولًا موازنة الدفاع السياسي عن التجربة مع تجنب خطاب المديح الذاتي، مؤكدًا أن التقييم شأن عمومي يشارك فيه الصحفيون والرأي العام والمؤرخون.
يربط الكتاب حصيلة الحكومة بـالانتقالات الكبرى: الاجتماعية والاقتصادية والمائية والطاقية، في إطار استراتيجي يمنحه التوجيه الملكي، لكنه يضع الحزب أمام تحديات التطبيق الفعلي لهذه التحولات، بعيدًا عن الخطاب المجرد.
مغادرة القيادة ومسار جديد
يكتسب قرار أخنوش بمغادرة قيادة الحزب أهمية خاصة، فهو فصل بين مرحلة التدبير الحكومي ومرحلة إعادة البناء الداخلي. الرسالة مزدوجة: التأكيد على أن الحزب ليس رهينًا بشخص، وإتاحة مساحة لتقييم التجربة من مسافة سياسية وتنظيمية. فالمغادرة ليست انسحابًا، بل انتقالًا من منطق القيادة التنفيذية إلى تأطير التجربة السياسية وفتح المجال لتجديد النخب والآليات.
ما بعد الإنجاز
الكتاب لا يقدم إجابات نهائية بقدر ما يطرح أسئلة محورية: كيف يُستثمر التراكم دون الوقوع في الرتابة؟ كيف يُدار الانتقال في القيادة دون كسر الاستمرارية؟ وكيف يتحول الحزب من الدفاع عن الإنجاز إلى إنتاج رؤية سياسية للمرحلة المقبلة؟
في المحصلة، يشكل “مسار الإنجازات” وثيقة سياسية ورؤية مستقبلية للحزب، في وقت يغادر أخنوش رئاسة الحزب من موقع الحكومة. السؤال المطروح اليوم ليس فقط عن ما تم إنجازه، بل عن كيفية بناء ما تبقى، ومن سيقود المرحلة المقبلة بروح الواقعية والنجاعة.