
نزيف الأطباء يهدد بانهيار المنظومة الصحية في تطوان وسط وعود مؤجلة وانتظار مفتوح
لم تعد الأزمة الصحية بمدينة تطوان مجرّد تذمّر شعبي أو أصوات غاضبة على مواقع التواصل الاجتماعي، بل أصبحت واقعاً مقلقاً ينذر بانهيار وشيك للمنظومة الصحية المحلية، في ظل نزيف متواصل للأطر الطبية، وغياب حلول ملموسة من الجهات الوصية.
زيارة وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أمين التهراوي، إلى مستشفى سانية الرمل، سلطت الضوء مجددًا على الوضع المأساوي الذي تعيشه المؤسسات الاستشفائية بتطوان، حيث صُدم الوزير بحجم التراجع الحاد في عدد الأطباء والاختصاصيين، ما أكد ما كانت تحذر منه الساكنة منذ سنوات.
معطيات دقيقة نشرتها الدكتورة وداد أزداد، تقلص عدد الأطباء في عدة تخصصات بشكل خطير، ليصبح المشهد داخل مستشفى سانية الرمل أشبه بمركز صحي صغير يفتقر لأبسط شروط العمل الطبي المتكامل.
في طب الأطفال، لم يتبقَ سوى طبيبة واحدة، بعد أن كان القسم يضم أربعة أطباء. أما طب النساء والتوليد، فانخفض من ستة أطباء إلى ثلاثة فقط. وضعٌ مشابهٌ تعرفه باقي التخصصات: طبيب واحد فقط في جراحة الدماغ، وآخر في أمراض الكلى، وطبيبان في الإنعاش، بينما غابت تخصصات كاملة كالجراحة التجميلية بعد مغادرة طبيبتين مختصتين.
حتى مستشفى الرازي للصحة العقلية لم يسلم من هذا النزيف، إذ لم تعد تعمل فيه سوى طبيبة واحدة، تتحمل عبئاً مضاعفاً إداريًا وطبيًا، وسط صمت الجهات المعنية وغياب الدعم اللازم.
الاستقالات المتتالية للأطباء، حسب المهنيين، ترجع إلى ظروف العمل الصعبة، قلة الإمكانيات، وغياب التحفيز، مقابل الإغراءات التي تقدمها المصحات الخاصة داخل وخارج البلاد. هذا الواقع جعل مستشفيات تطوان شبه خالية من الكفاءات الطبية، في وقت تزداد فيه حاجة المواطنين للخدمات الصحية.
في خضم هذا الواقع المتردي، تُعلّق ساكنة تطوان آمالها على مستشفى التخصصات الجهوي، الذي اكتملت أشغاله وظهرت بنايته الضخمة على الطريق الدائري، لكنه ما زال مغلقاً، ينتظر تدشيناً رسمياً وقراراً سياسياً جادًا لانطلاق خدماته.
المدون والفاعل المدني آدم أفيلال، أكد ل أنباء مراكش أن “افتتاح هذا المستشفى أصبح ضرورة ملحة، شريطة أن يُجهز بالموارد البشرية المختصة، وألا يتحول إلى بناية بلا روح، كما حدث في مشاريع سابقة”.
من جانبه، دعا الداعية رضوان زرغيل إلى تحرّك فعلي من وزارة الصحة، مشدداً على أن “زيارة الوزير لا تكفي”، وأن “المرضى ينتظرون حلولا عملية لا استعراضات رمزية”.
في انتظار أن تتحول الوعود الوزارية إلى أفعال، يظل المواطن التطواني يُواجه يوميًا معاناة البحث عن طبيب، وعن سرير في مستشفى، وعن علاج قد لا يأتي في الوقت المناسب. وبين نزيف الأطباء وغياب المتخصصين، أصبحت صحة المواطن على المحك، وبدأت منظومة الصحة العمومية تنهار بصمت.
ويبقى السؤال مطروحًا بإلحاح: متى تتحمل الجهات المسؤولة مسؤوليتها كاملة، قبل أن يصبح الحديث عن العلاج ترفاً لا مكان له في تطوان؟