
“فاو” تحذر: ملوحة التربة والتعرية تهددان الزراعة بالمغرب
حذرت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «فاو» من تنامي الضغوط التي تواجه موارد التربة في المغرب، خصوصا بفعل ملوحة الأراضي المسقية والتعرية المائية، في ظل توالي سنوات الجفاف وندرة المياه وارتفاع درجات الحرارة وتداعيات تغير المناخ.
وجاء ذلك ضمن تقرير «حالة موارد التربة في العالم 2026»، الذي أطلقته المنظمة خلال الدورة السابعة عشرة لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، حيث قدم تقييما لأبرز المخاطر التي تهدد التربة وسبل الحفاظ عليها.
وأشار التقرير إلى أن المغرب عزز المساحات المجهزة للري، بإضافة نحو 160 ألف هكتار بين سنتي 2015 و2022، وهي زيادة مهمة على المستوى الإقليمي، غير أن التوسع في الري يفرض في المقابل تحديات مرتبطة بجودة تدبير المياه وأنظمة الصرف.
نحو ثلث الأراضي المسقية مهدد بالملوحة
وتشير المعطيات التي استند إليها التقرير إلى أن ما بين 20 و30 في المائة من الأراضي المسقية في المغرب والجزائر تعاني بدرجات متفاوتة من الملوحة، فيما تورد تقديرات أخرى نسبة تقارب 30 في المائة بالنسبة للمغرب.
وترتبط هذه الظاهرة بعدة عوامل، من بينها استعمال مياه ذات ملوحة مرتفعة، وضعف أنظمة الصرف، والاستغلال المفرط للمياه الجوفية، إضافة إلى ارتفاع معدلات التبخر وتسرب مياه البحر إلى بعض الفرشات الساحلية نتيجة استنزافها.
وتزداد مخاطر الملوحة مع ارتفاع درجات الحرارة، الذي يؤدي إلى زيادة حاجيات المزروعات من المياه وارتفاع معدلات التبخر، ما يساهم في تراكم الأملاح داخل التربة، خصوصا بالمناطق التي تعتمد بشكل مكثف على الري.
وعلى المستوى الإقليمي، تقدر الخسائر الاقتصادية المرتبطة بملوحة التربة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بحوالي مليار دولار سنويا، وهي تقديرات تشمل المنطقة ولا تخص المغرب وحده.
التعرية تستنزف التربة بالمناطق الجبلية
ولا تقتصر المخاطر على الملوحة، إذ تضع «فاو» التعرية المائية ضمن أبرز التهديدات التي تواجه التربة المغربية، خاصة بالمناطق الجبلية التي تتميز بالانحدارات وقلة الغطاء النباتي وتساقط الأمطار بشكل مركز.
وتشير الدراسات التي اعتمد عليها التقرير إلى تسجيل مستويات مرتفعة من التعرية في بعض مناطق الأطلس الكبير، بينما تتراوح مستوياتها بين ضعيفة ومتوسطة في أجزاء من الأطلس الصغير.
وبحسب دراسة شملت 38 حوضا مائيا بالمغرب، تراوح مردود الرواسب بين نحو 100 و4620 طنا لكل كيلومتر مربع سنويا، ما يعكس تفاوتا كبيرا في حجم فقدان التربة من منطقة إلى أخرى.
ويشكل هذا الوضع تهديدا مباشرا للطبقات السطحية الخصبة، التي تعد الأكثر أهمية بالنسبة للإنتاج الزراعي، كما يساهم انجرافها في تراكم الرواسب داخل الأودية والسدود.
الزرع المباشر.. رهان لمواجهة تدهور التربة
وفي مواجهة هذه التحديات، يبرز اعتماد الزراعة الحافظة والزرع المباشر كأحد الحلول التي يتجه إليها المغرب للحد من تدهور التربة والحفاظ على رطوبتها ومادتها العضوية.
وبينما كانت المساحات المعتمدة على هذه الممارسات محدودة خلال موسم 2018-2019، شهدت السنوات الأخيرة توسعا في تقنية الزرع المباشر، خصوصا في إطار استراتيجية «الجيل الأخضر».
وانطلق البرنامج الوطني للزرع المباشر سنة 2021، فيما وصلت المساحات المعتمدة لهذه التقنية إلى نحو 160 ألف هكتار سنة 2025، بعدما كانت تقل عن 20 ألف هكتار قبل أربع سنوات.
ويطمح المغرب إلى بلوغ مليون هكتار من الزرع المباشر بحلول سنة 2030، في إطار الجهود الرامية إلى الحد من انجراف التربة والحفاظ على الرطوبة والمادة العضوية.
تغير المناخ يضاعف المخاطر
كما يحذر التقرير من تراجع التنوع البيولوجي داخل التربة، نتيجة تداخل مجموعة من العوامل، من بينها التصحر والجفاف والتعرية والتلوث والاستغلال الزراعي المكثف والرعي الجائر وتغير المناخ.
ويكتسي التنوع البيولوجي للتربة أهمية كبيرة بالنسبة للمنظومة الزراعية، بالنظر إلى دوره في تدوير المغذيات وتخزين الكربون وتحسين بنية التربة وقدرتها على الاحتفاظ بالمياه ودعم نمو النباتات.
وتدعو «فاو» إلى تعزيز الممارسات المستدامة، من خلال توسيع الغطاء النباتي، والحفاظ على المادة العضوية، وإعادة استعمال المخلفات العضوية والأسمدة الحيوانية، إلى جانب تحسين تدبير العناصر المغذية ومراقبة خصوبة التربة.
كما تشدد المنظمة على ضرورة أن يواكب توسيع المساحات المسقية تحسين تدبير المياه وأنظمة الصرف، تفاديا لتحول الري من وسيلة لرفع الإنتاج الزراعي إلى عامل إضافي في تملح الأراضي.
وتضع هذه المعطيات المغرب أمام تحد مزدوج: الحفاظ على الإنتاج الزراعي في ظل الإجهاد المائي، وحماية التربة باعتبارها موردا أساسيا للأمن الغذائي، خصوصا مع استمرار الجفاف وارتفاع درجات الحرارة وتزايد آثار تغير المناخ.