المغرب يرفع منسوب الحماية القانونية للمسنين.. تشديد العقوبات وآليات رقمية لرصد الإهمال

0

في ظل التحولات الديمغرافية المتسارعة التي يعرفها المغرب، وارتفاع متوسط العمر وتزايد نسبة كبار السن داخل البنية السكانية، أصبحت مسألة حماية الأشخاص المسنين من العنف والإهمال قضية اجتماعية وحقوقية ملحة. فالهشاشة الصحية والاقتصادية والاجتماعية التي قد تعترض هذه الفئة تجعلها عرضة لأشكال متعددة من الاعتداء، سواء داخل الفضاء الأسري أو داخل بعض مؤسسات الرعاية.

وفي هذا السياق، كشف عبد الجبار الرشيدي، كاتب الدولة لدى وزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة المكلف بالإدماج الاجتماعي، عن جملة من التدابير الحكومية الرامية إلى تعزيز الحماية القانونية للمسنين، خاصة النساء منهن، في مواجهة العنف والإهمال.

تشديد العقوبات داخل الفضاء الأسري
أوضح المسؤول الحكومي، في جواب على سؤال كتابي للنائبة البرلمانية نعيمة الفتحاوي عن المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، أن المقاربة المعتمدة ترتكز على تفعيل مقتضيات القانون 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، والذي يجرم مختلف أشكال العنف، بما فيها تلك المرتكبة داخل الأسرة.

ويحيل هذا الإطار القانوني على مقتضيات الفصل 404 من القانون الجنائي المغربي، الذي ينص على تشديد العقوبات في حالات الضرب أو الجرح أو أي إيذاء عمدي إذا كان الضحية من الأصول (الأب، الأم، الأجداد) أو من تربطهم علاقة رعاية أو زواج بالمعتدي.

تشديد العقوبة في هذه الحالات لا يرتبط فقط بخطورة الفعل، بل بطبيعة العلاقة التي يُفترض أن تقوم على الرعاية والاحترام، ما يجعل الاعتداء خرقاً مضاعفاً: اعتداء جسدي وانتهاكاً لرابطة أسرية ذات بعد أخلاقي وقانوني.

مراكز الاستماع وآليات الإحالة
من بين الآليات المعتمدة، دعم إحداث مراكز الاستماع لضحايا العنف، باعتبارها فضاءات للإنصات والتوجيه والمواكبة القانونية والاجتماعية. هذه المراكز تتيح للمسنين، خاصة النساء، إمكانية التبليغ عن حالات العنف أو الإهمال، مع إحالة الملفات المسجلة إلى الجهات المختصة وفق المساطر القانونية الجاري بها العمل.

الهدف من هذه الآلية هو كسر حاجز الصمت، الذي يُعد من أبرز أسباب استمرار العنف الأسري، خصوصاً عندما يكون الضحية في وضعية تبعية مادية أو صحية.

منصة “أمان” الرقمية
وفي إطار رقمنة آليات التبليغ، تم تفعيل منصة منصة أمان كوسيلة إلكترونية لتلقي الشكايات المتعلقة بالعنف، بما في ذلك الحالات التي تطال المسنين داخل المنازل أو مؤسسات الرعاية.

تعتمد هذه المنصة على مبدأ السرعة في التفاعل مع البلاغات، وتعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين (السلطات، المصالح الاجتماعية، القضاء)، ما يسهم في تحسين الرصد والتدخل المبكر، خاصة في الحالات التي قد يصعب فيها على الضحية التنقل أو تقديم شكاية مباشرة.

تقوية مؤسسات الرعاية الاجتماعية
أشار كاتب الدولة إلى أن الحكومة تعمل أيضاً على دعم وتأهيل مؤسسات الرعاية الاجتماعية، عبر تحسين ظروف الإيواء والتجهيز وجودة الخدمات المقدمة، خاصة لفائدة المسنين الذين لا يتوفرون على مورد أو سند عائلي.
كما يتم تنظيم أنشطة تحسيسية وتكوينية لفائدة الفاعلين في سلسلة التكفل بضحايا العنف، داخل مؤسسات متعددة الوظائف منتشرة على المستوى الجهوي والمحلي، بهدف ضمان تكفل مندمج يجمع بين الدعم الاجتماعي والنفسي والقانوني.

بين النص القانوني والتنزيل العملي
رغم أهمية الترسانة القانونية والآليات المؤسساتية، يبقى التحدي الأساسي مرتبطاً بمدى تفعيل هذه النصوص على أرض الواقع، ونجاعة آليات المراقبة والتتبع، إضافة إلى ضرورة تغيير بعض التمثلات الاجتماعية التي تعتبر قضايا العنف الأسري “شأناً داخلياً”.

حماية المسنين لا تقتصر على الردع الزجري، بل تتطلب سياسة وقائية شاملة، تشمل الدعم الأسري، والتوعية، وتحسين أوضاع الرعاية الصحية والاجتماعية، وضمان الولوج الفعلي إلى العدالة.

وفي المحصلة، تعكس هذه الإجراءات توجهاً نحو تعزيز الحماية القانونية والمؤسساتية لفئة تعد من أكثر الفئات هشاشة في المجتمع، غير أن نجاحها يبقى رهيناً بمدى التطبيق الصارم للقانون، وتكامل الأدوار بين الدولة والمجتمع المدني والأسرة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.