الدبلوماسية الجزائرية أمام لحظة الحقيقة

0

تعيش الدبلوماسية الجزائرية واحدة من أصعب لحظاتها، بعدما بدأت المؤشرات داخل مجلس الأمن تميل بوضوح نحو دعم المقترح المغربي للحكم الذاتي كحلٍّ وحيد وواقعي لقضية الصحراء. هذا التحول لم يكن مفاجئًا، بل ثمرة مسارٍ طويل من المواقف الدولية التي رأت في المبادرة المغربية المخرج العملي الوحيد لنزاعٍ طال أمده وأرهق المنطقة لعقود.

في المقابل، يجد النظام الجزائري نفسه أمام مأزقٍ دبلوماسي حقيقي، بعدما أنفق ما يناهز 500 مليار دولار على رهانٍ سياسي خاسر. ومع تسارع المواقف المؤيدة للمغرب، شرعت الجزائر في ترويج رواية داخلية تهدف إلى التخفيف من وقع الهزيمة، مفادها أن ما يجري مرتبط بما يُسمّى بـ“صفقة أبراهام”، لا بتحولاتٍ فعلية في موازين القوى.

هذه السردية التي تتبناها وسائل الإعلام الرسمية والمقرّبة من السلطة، تحاول تصوير الدعم الدولي للمغرب على أنه جزء من “مؤامرة” ضد الجزائر بسبب موقفها من التطبيع. غير أن الواقع أوضح من ذلك بكثير: فالمجتمع الدولي بات مقتنعًا بأن مبادرة الحكم الذاتي المغربية هي الإطار الوحيد القادر على ضمان الاستقرار والتنمية في المنطقة المغاربية.

وفي خضمّ هذا المشهد، بدأ الجزائريون أنفسهم يطرحون تساؤلاتٍ محرجة حول مصير المليارات التي أُهدرت دون تحقيق أي مكسب، وحول المسؤولية السياسية عن استمرار نهجٍ عدائي لم يُنتج سوى العزلة. فخطاب “العدو الخارجي” لم يعد يُقنع الشارع الجزائري، الذي صار أكثر وعيًا وإلمامًا بتفاصيل الملف والمواقف الأممية.

اليوم، لم يعد أمام الجزائر سوى خيارٍ واحد: مراجعة سياساتها الخارجية بجرأة، والانتقال من منطق المواجهة إلى منطق البراغماتية الواقعية. فالتشبث بالسرديات القديمة لن يغيّر من موازين القوى، بل سيعمّق الفجوة بين النظام ومواطنيه.

إن التحولات الجارية ليست نتاج صفقة عابرة، بل انعكاس لتوازناتٍ دولية جديدة تضع الواقعية قبل الشعارات. وبينما استطاع المغرب أن يرسّخ حضوره كفاعلٍ موثوق وشريكٍ استراتيجي في المنطقة، لا تزال الجزائر تُفتّش عن تبريرٍ يُخفي إخفاق مشروعٍ سياسي استنزف ثروة أجيالٍ كاملة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.