
عبده حقي يكتب:” تأملات في عبور الوعي بين زمن القراءة وعصر التشفير”
أمضيت طفولتي في زوايا المكتبات العمومية، وبين رفوف الكتب ومجلدات الحواف، كنت أؤمن أن تعريف الإنسان هو باختصار “ما يقرأ”.. كانت هذه العبارة “نحن ما نقرأ” تُتداول في المدارس والكليات، في الملاحق الثقافية، وحتى على أغلفة الكتب، وكأنها نبوءة تأسيسية لوعي جماعي يتغذى من الكلمة ويشتق معناه من الجملة المكتوبة.
في المغرب، كما في غيره من بقاع العالم العربي، كانت القراءة مرآتنا، وكانت الكتب تفتح لنا النوافذ على عوالم لا يبلغها الجسد، ولكن يحلق إليها الذهن والعقل، غير أن قواعد اللعبة تغيرت شيئا فشيئا، فبدأت ألاحظ منذ عقدين من الزمن أن القراءة لم تعد وحدها معيارا لتحديد هوية الإنسان الثقافية، إذ لم يعد السؤال هو “ماذا تقرأ؟”، بل صار شيئا آخر، أكثر تعقيدا وربما أكثر تجريدا هو: “كيف تُشفِّر؟”. هذه الفكرة، التي ربما بدت لي في البداية طوباوية أو مستعارة من لغة المهندسين، باتت اليوم مفتاحا لفهم المرحلة القادمة من تاريخ البشرية.
فأن ننتمي إلى عصر “نحن ما نُشفِّر” يعني أن الهوية المعرفية لم تعد تُصاغ فقط من خلال مضمون النصوص، بل أيضا من خلال كيفية معالجتنا لها، ترجمتها، ترميزها، واستخدامها ضمن أنظمة ذكية تُحول كل ما نكتبه ونقوله إلى بيانات. لقد أصبحنا، شاء البعض أم أبى، كائنات تُنتج البيانات وتعيد صياغتنا نحن أنفسنا كبنيات بياناتية.
تتمة المقال تحت الإعلان
أول مرة واجهت فيها هذه الحقيقة وجها لوجه، كانت حين اشتغلت على مشروع بسيط لتحويل نصوص شعرية إلى تجربة رقمية تفاعلية، استعملت خوارزميات لتحليل الإيقاع والمعنى، وتحويل القصيدة إلى خريطة بصرية تتحرك بتفاعل القارئ، شعرت حينها أنني لا أقرأ القصيدة، بل أفك شيفرتها، ولم أعد مجرد متلقي، بل تحولت إلى مشارك في إنتاج معنى جديد للنص. لقد صارت علاقتي بالمعرفة تشبه العلاقة بين المُرمِّز والحياة.. لا تكتفي بالفهم، بل تسعى إلى الترجمة، وإلى توليد احتمالات أخرى.
إن هذا التحول ليس محصورا في المجال الثقافي فحسب، بل يشمل التربية، الاقتصاد، وحتى الأخلاق، فاليوم، أطفالنا لا يكبرون على كتب الجيب، بل على الشاشات، يتعلمون التفاعل مع الرموز، الإشارات، والأوامر الرقمية، ونحن الآباء والمربون، أصبحنا مطالبين بأن نعيد تعريف العملية التعليمية التعلمية لتواكب هذه الطفرة، فإذا كانت القراءة تُعلِّم الفهم، فإن التشفير يُعلِّم البناء، وإذا كانت القراءة تفتح الذهن، فإن التشفير يُنشئ البنى التي تُوجِّه الذهن ذاته.
ربما كان جان بودريار محقا حين قال إننا نعيش في عصر المحاكاة، حيث الصور والرموز تفوق الواقع في الحضور والتأثير، ولكن في عصرنا، لم تعد المحاكاة مجرد صورة، بل أصبحت نموذجا رياضيا قابلا للبرمجة، يعيد إنتاج الواقع وفق منطق الخوارزمية. في هذا السياق، يصبح التشفير أداة فلسفية بقدر ما هو تقنية.
تتمة المقال تحت الإعلان
ومع ذلك، لا أخفي قلقي الراهن.. فنحن ننتقل من عالم يمكننا فيه مساءلة الكاتب، إلى فضاء لا نعرف فيه من كتب الكود، ولا بأي نية أو قصد، أصبحت الشفافية معطوبة، والسلطة متخفية في طيات الكود البرمجي، فمن يملك الخوارزمية، يملك سرد العالم، وهذا يطرح سؤالا جوهريا حول الأخلاق، حول من يقرر الصواب والخطأ عندما تُسلم القرارات إلى الذكاء الاصطناعي.
في المغرب، حيث ما زال الصراع قائما بين الورقي والرقمي، بين التقليد والحداثة، أرى أن الوقت قد حان لنعيد تعريف مفهومي التعليم والتثقيف، فلا يكفي أن نحفز أطفالنا على القراءة، بل يجب أيضا أن ندربهم على التفكير كمهندسين، كمُشفِّرين، كصانعي أدوات.. فالمعرفة القادمة لا تأتي فقط من الكتب، بل من فهم البنية التي تولِّد المعرفة ذاتها.
لن أنكر أنني ما زلت أشتاق إلى الكتاب الورقي، إلى رائحة الحبر والسماق، والقلم القصبي في المسيد، وإلى لحظات التأمل أمام نص شعري بصيغة الماضي، لكني أيضا أؤمن بأن المستقبل يحتاج منا أكثر من الحنين، يحتاج منا أن ندرك أن التشفير، في جوهره، ليس قتلا للقراءة، بل امتدادا لها بلغة جديدة.
تتمة المقال تحت الإعلان
وهكذا، أجدني أعيش بين زمنين: زمن “نحن ما نقرأ”، الذي شكل وجداني وذاكرتي، وزمن “نحن ما نُشفِّر”، الذي يطلب منا أن نُعيد اختراع ذواتنا.. ربما لن أُمسك بكل مفاتيح هذا الانتقال، لكن يكفيني أن أعيه، أن أسائل شروطه، وأن أساهم في ترسيخ ثقافة لا تنسى جذورها وهي تبني مستقبلها، بل تسلك دربها وفي يدها كتاب وفي اليد الأخرى كود.
الخوارزميات
الكتاب
المنبر الحر
فيسبوك X لينكدإن واتساب مشاركة عبر البريد طباعة
النشرة الإخبارية