د. بنطلحة: من «عياش» إلى «زلايجي».. حين يُستهدف حب الوطن

0

في عالم التواصل السياسي والدعاية الحديثة، لم تعد الكلمات مجرد وسيلة للتعبير عن المواقف أو وصف الواقع، بل أصبحت في كثير من الأحيان أدوات مؤثرة في تشكيل التصورات وتوجيه الرأي العام. فالحروب المعاصرة لم تعد تقتصر على الميدان العسكري أو الاقتصادي، بل امتدت إلى مجال التأثير في العقول والوعي الجماعي، فيما أصبح يعرف بالحرب الإدراكية.

ومن بين الأساليب الأكثر استخداماً في هذا المجال ما يعرف بالقولبة والتنميط السلبي، حيث يتم ربط قيم إيجابية ومقبولة مجتمعياً، مثل حب الوطن أو الاعتزاز بالهوية والانتماء، بدلالات سلبية توحي بالتعصب أو السذاجة أو الانغلاق الفكري، بهدف التأثير في صورة الأشخاص الذين يتبنون هذه المواقف.

وفي هذا السياق برزت داخل الفضاء العمومي المغربي تسميات من قبيل «زلايجي» و«عياش»، وهي مصطلحات أصبحت متداولة بشكل واسع في النقاشات الرقمية وعلى منصات التواصل الاجتماعي.

هذه الأوصاف لم تعد تُستعمل فقط باعتبارها كلمات عابرة أو تعبيرات ساخرة، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى وسيلة جاهزة لتصنيف الأشخاص بناء على مواقفهم أو آرائهم، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن الهوية الوطنية أو التراث المغربي أو التعبير عن الارتباط بالوطن.

وبدل أن يتركز النقاش حول مضمون الأفكار أو قوة الحجج المقدمة، أصبح من الشائع أحياناً اللجوء إلى تصنيف أصحاب الرأي ووضعهم داخل قوالب جاهزة، بما يحول النقاش من مواجهة بين الأفكار إلى مواجهة بين الأوصاف والانطباعات المسبقة.

وخلال السنوات الأخيرة، اتسع نطاق استعمال هذه المصطلحات إلى درجة جعلتها تتحول إلى أدوات للوصم الرمزي، حيث أصبح التعبير عن الاعتزاز بالثقافة الوطنية أو الدفاع عن بعض مكونات التراث كافياً لدى البعض لإطلاق أوصاف جاهزة تقلل من قيمة الموقف أو صاحبه.

فمن يدافع عن عناصر الهوية الثقافية المغربية قد يجد نفسه مصنفاً ضمن خانة معينة، ومن يعبر عن ارتباطه بالوطن أو إشادته باستقراره قد يُوضع في خانة أخرى، دون أن يكون هناك نقاش حقيقي حول مضمون ما يطرحه أو يدافع عنه.

هذا التحول لا يتعلق باللغة فقط، بل يعكس نمطاً من الصراع يعرف في أدبيات الاتصال بحرب السرديات، حيث يصبح الهدف الأساسي التأثير في إدراك الناس للأحداث والقضايا والرموز المشتركة داخل المجتمع.

وفي هذا النوع من الصراعات، لا يكون التركيز على تغيير الوقائع بقدر ما يكون موجهاً نحو التأثير في طريقة فهمها وتأويلها، من خلال زرع الشكوك وإعادة صياغة المعاني المرتبطة بالهوية والانتماء والذاكرة الجماعية.

وتعتمد هذه الآلية على ما يسمى بالوصم الدلالي أو تسليح التسمية، حيث يجري ربط أفكار أو مواقف معينة بأوصاف ساخرة أو سلبية، ثم تكرارها بشكل مستمر إلى أن تصبح جزءاً من الخطاب اليومي المتداول بين الناس.

ومع مرور الوقت، قد يفقد الكثيرون القدرة على التمييز بين الوصف الموضوعي والوصم المقصود، فيبدأ تداول هذه المصطلحات بشكل تلقائي، بما يساهم في إعادة إنتاج الخطاب نفسه دون الحاجة إلى تدخل مباشر من الجهات التي أطلقته في البداية.

ويتعزز هذا المسار من خلال أساليب الدعاية السوداء التي تعتمد على السخرية والإشاعات والمعلومات المجتزأة من سياقها، إضافة إلى الاستفادة من سرعة انتشار المحتوى الرقمي والميمات والتعليقات الساخرة في ترسيخ الصور الذهنية المراد نشرها.

والأكثر إثارة للانتباه أن بعض هذه الخطابات التي نشأت في بيئات معادية أو متوترة وجدت طريقها إلى التداول داخل المجتمع نفسه، حيث أعاد كثيرون استخدامها بدافع المزاح أو النقد أو حتى بدافع التباهي، دون إدراك كامل للخلفيات التي تقف وراءها.

كما لا يمكن فصل هذه الظاهرة عن النقاشات التي تثار بشكل متكرر حول بعض عناصر التراث المغربي اللامادي، من قبيل الزليج أو القفطان أو غيرهما، والتي تتحول أحياناً من موضوعات ثقافية إلى ساحات للصراع الرمزي حول الهوية والذاكرة والتاريخ.

وعلى مستوى الفضاء الرقمي، تستفيد هذه الممارسات من أدوات حديثة قادرة على صناعة انطباعات جماعية واسعة، من خلال الحسابات الوهمية، وتضخيم بعض الخطابات، وإغراق المنصات بسرديات متكررة تمنح المتلقي إحساساً بوجود إجماع قد لا يكون موجوداً في الواقع.

وأمام هذا الوضع، يصبح بناء الوعي النقدي ضرورة أساسية، ليس من أجل رفض الاختلاف أو مصادرة الآراء، وإنما من أجل فهم طبيعة الخطابات المتداولة والتمييز بين النقاش المشروع ومحاولات التشويه أو الاستقطاب.

كما أن التحلي بالهدوء والابتعاد عن ردود الفعل الانفعالية واعتماد النقاش القائم على الحجة والمعرفة يظل من أهم الوسائل الكفيلة بحماية النقاش العمومي من الانزلاق نحو التوتر والتصنيف والإقصاء.

وفي النهاية، فإن المجتمعات التي تمتلك القدرة على قراءة ما يدور حولها وفهم الأدوات المستعملة للتأثير عليها تكون أكثر قدرة على حماية تماسكها الداخلي. فالكلمات قد تصنع ضجيجاً كبيراً، لكنها تبقى عاجزة عن إرباك مجتمع واعٍ يدرك الفرق بين النقد المشروع ومحاولات التشويش على هويته ورموزه وقيمه المشتركة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.