
نزار بركة في مأزق حسم التزكيات بالدار البيضاء وسط تمرد القواعد الحزبية
تشهد الساحة الداخلية لحزب الاستقلال بمدينة الدار البيضاء حالة من التوتر المتصاعد، نتيجة صراع حاد حول التزكيات البرلمانية المرتبطة بالاستحقاقات التشريعية المقبلة، وهو ما خلق دينامية تنظيمية مشحونة تعكس حجم التنافس بين مختلف مكونات الحزب. هذا الوضع لم يعد مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل تحول إلى احتقان واضح داخل القواعد الإقليمية التي باتت تطالب بإعادة ترتيب البيت الداخلي وفق معايير جديدة تقوم على الكفاءة والتمثيلية الحقيقية بدل إعادة إنتاج نفس الأسماء.
ويأتي هذا التوتر في سياق بروز رغبة قوية لدى عدد من المناضلين في خوض الانتخابات المقبلة بترشيحات مضادة لما يعتبرونه “وجوهاً مستهلكة”، في محاولة لإحداث تغيير داخل الخريطة التمثيلية للحزب بالعاصمة الاقتصادية. هؤلاء الطامحون الجدد يستندون إلى دعم من بعض المفتشيات الحزبية، إضافة إلى مساندة فئات من القواعد التي ترى فيهم بديلاً قادراً على إعادة التوازن وإضفاء نفس جديد على العمل السياسي داخل الحزب.
في المقابل، يجد عدد من البرلمانيين الحاليين أنفسهم في موقف دفاعي صعب، خاصة في ظل الانتقادات المتزايدة التي تطال أداءهم السياسي وتدبيرهم للشأن المحلي، وهو ما جعلهم عرضة لرفض متنامٍ داخل القواعد الحزبية. هذا الوضع زاد من تعقيد مهمة القيادة المركزية، التي أصبحت مطالبة بالتوفيق بين مختلف التيارات وضبط إيقاع التنافس الداخلي قبل أن يتحول إلى أزمة تنظيمية مفتوحة يصعب احتواؤها.
ويبرز هذا الاحتقان بشكل خاص في بعض الدوائر الانتخابية، وعلى رأسها دائرة الفداء مرس السلطان، التي تعرف تحركات مكثفة واتصالات متواصلة بين مختلف الفاعلين الحزبيين، في أفق تقديم أسماء جديدة للقيادة المركزية من أجل الحسم فيها. وتشير المعطيات إلى أن عدداً من مكونات الحزب داخل هذه الدائرة أبدت دعماً واضحاً لمرشحين بديلين يحظون بقبول أوسع داخل القواعد، ويُنظر إليهم كأكثر قدرة على تحقيق نتائج إيجابية خلال الاستحقاقات المقبلة.
في السياق نفسه، عبّرت فعاليات حزبية عن رفضها القاطع لمنح التزكية لبعض البرلمانيين الحاليين، معتبرة أن استمرار نفس الوجوه من شأنه تعميق الأزمة بدل حلها. وقد ذهبت بعض الأصوات إلى توجيه رسائل قوية للقيادة المركزية تدعو إلى ضرورة الإنصات لصوت القواعد، وتفادي اتخاذ قرارات قد تؤدي إلى مزيد من الانقسام الداخلي.
ومع تصاعد هذا التوتر، لم تستبعد بعض الفعاليات اللجوء إلى خطوات تصعيدية، من بينها تقديم استقالات جماعية، في حال تم تجاهل مطالبها أو فرض أسماء لا تحظى بالإجماع داخل الدوائر الانتخابية. ويزيد من حدة الوضع غياب لقاءات تنظيمية جامعة بين بعض البرلمانيين والمناضلين، ما خلق حالة من الجمود التنظيمي وعمّق الإحساس بالإقصاء لدى جزء من القواعد.
هذا المشهد يعكس أزمة أعمق تتجاوز مجرد صراع حول التزكيات، ليطرح إشكاليات تتعلق بطريقة تدبير الأحزاب لعلاقاتها الداخلية، وحدود الديمقراطية التنظيمية داخلها، والفجوة المتزايدة بين القيادات والقواعد.
وفي ظل هذا الوضع، يبقى تدبير هذا الملف اختباراً حقيقياً لقدرة الحزب على الحفاظ على تماسكه الداخلي، وضمان جاهزيته لخوض الاستحقاقات المقبلة في ظروف تنظيمية مستقرة.