
نرمين صبير: صفقة القرن في حق المحاماة.. النواب يمررون قانوناً “معدماً” والتحكيم الملكي الحل الأخير
في مشهد مهني غير مسبوق، صادق مجلس النواب، مساء الاثنين 6 يوليوز 2026، في قراءة ثانية، على مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، بالأغلبية (85 صوتاً مقابل 35)، بعد أن كانت لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان قد صادقت عليه قبل أيام بموافقة 17 نائباً مقابل معارضة 5. وجاءت هذه المصادقة في ذروة الغضب المهني، وسط اعتصام مفتوح للمحامين أمام البرلمان وتوقف شامل للمحاكم، وكأن إرادة المؤسسة التشريعية قد اصطدمت بإرادة مهنة بأكملها، لتطرح نفسها أسئلة مصيرية حول مستقبل علاقة الدولة بالمحاماة في المغرب.
-مواد خلافية تمس جوهر المهنة :
لم تكن المصادقة مجرد إجراء شكلاني، بل حملت في طياتها إقراراً لمقتضيات تعتبرها الهيئات المهنية مساساً باستقلالية المحاماة وانتهاكاً لرسالتها الإنسانية. ولعل أبرز هذه المقتضيات:
-إخضاع ودائع المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات
أصر وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، على إقرار المادة 75 مكررة (المادة 76 بعد إعادة الضبط)، التي تخضع حساب ودائع وأداءات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، بهدف “التحقق من قانونية وسلامة العمليات المالية والمحاسبية”. وتنص المادة على أن “يتولى نقيب كل هيئة تقديم هذا الحساب السنوي إلى المجلس الأعلى للحسابات داخل الآجال”.
وهنا يبرز التساؤل الدستوري الأهم: كيف تخضع أموال الموكلين، وهي ملك خاص لأصحابها، لرقابة مؤسسة دستورية مختصة في مراقبة المال العام؟ إن هذا المقتضى، في نظرنا، يشكل تدخلاً سافراً في استقلالية المهنة، ويفتح الباب أمام ممارسة ضغوط غير مبررة على المحامين وهيئاتهم.
-تقييد الترشح لعضوية مجالس الهيئات
صادقت اللجنة على العودة إلى الصيغة التي تمنع أعضاء مجلس كل هيئة لولايتين (متتاليتين أو بشكل منفصل) من الترشح مجدداً لعضوية المجلس نفسه، وهو ما يحد من فرص الاستفادة من خبرات النقباء السابقين في تدبير شؤون المهنة.
-أزمة ثقة لا أزمة مواد:
ما يثير الاستغراب أن هذه التعديلات تمت في سياق انهيار الثقة بين الحكومة وممثلي المهنة. فقد سبق وأكد رئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب، أن “الإشكال الرئيسي يكمن في إصرار الحكومة على إخراج القانون في فترة وجيزة وقبيل نهاية ولايتها”، وهذا هو ما نلاحظه لنتسائل لماذا هذا التسرع الذي أفضى إلى إخراج نص قانوني لا يعكس التوافقات السابقة.
ولقد سبق وأوضح رئيس الجمعية أنها انخرطت في حوار مؤسساتي مع وزارة العدل ورئاسة الحكومة، وقدمت مجموعة من المقترحات خلال جلسات تفاوضية أفضت إلى تفاهمات مشتركة، غير أن الحكومة، لم تلتزم بما تم الاتفاق عليه. حيث أن الأزمة الحالية أصبحت أزمة ثقة، وليست مجرد خلاف حول مادة أو مادتين.
-التحكيم الملكي: الخيار الأخير:
في ظل هذا الانسداد، لم يتبقى لنا كمحامون غير التحكيم الملكي كحل أخير لحسم الخلاف. حيث أن الخيار للجوء إلى تحكيم ملكي لحسم الخلاف القائم حيث يعتبر هو السبيل الأمثل لحسم الخلاف حول قانون مهنة المحاماة.
وفي هذا السياق، نلاحظ أن المحاماة اليوم في المغرب تعيش أزمة، لأن هذه الحكومة تريد إخراج قانون بسرعة قياسية وفي آخر ولايتها، حيث أصبح هذا القانون مقسماً في إطار صفقات سياسية على حساب العدالة والمواطن.
يمكن التساؤل حول لماذا التحكيم الملكي؟
يأتي التلويح بالتحكيم الملكي في سياق خاص، إذ نعتبر كمحامون أن جلالة الملك هو المحامي الأول والمدافع الأول عن الوطن والأمة المغربية، وأن جلالته قد شرف المهنة بارتدائها. كما أن تفعيل آلية التحكيم الملكي السامي ليس مجرد طوق نجاة لإنهاء هذا السجال، بل هو الضمانة الأسمى لتعزيز التراكمات الحقوقية التي حققها المغرب.
ويمثل هذا الخيار اعترافاً من المحامين بأن المسار التشريعي قد تعطل، وأن الحوار مع الحكومة قد وصل إلى طريق مسدود، مما يستدعي تدخل السلطة الملكية بوصفها حَكَماً أعلى قادراً على إنصاف المهنة وحماية استقلاليتها حسب الفصل 42 من دستور 2014، التي هي في جوهرها حماية لحقوق المواطنين في الدفاع عن أنفسهم وفي محاكمة عادلة.
*المحاماة ليست مجرد مهنة:
إن ما شهده المغرب في الأيام الأخيرة ليس مجرد خلاف قانوني حول نصوص تنظيمية، بل هو صراع حول هوية المهنة ومستقبلها. فالمحاماة، كما نص على ذلك مشروع القانون نفسه في مادته الأولى، هي “مهنة حرة، مستقلة، ورسالة إنسانية تشارك السلطة القضائية في تحقيق العدالة”. وأي مساس باستقلاليتها هو مساس بهذه الرسالة النبيلة.
ونحن، كمحاميات ومحامين، نؤكد أننا لا نرفض الإصلاح، بل ندعم أي إصلاح يهدف إلى تطوير المهنة. ولكننا نرفض أن يمر هذا الإصلاح في غياب التوافق، وفي سياق تسريع غير مبرر، وبمقتضيات تمس جوهر استقلاليتنا. وإن كنا نأمل أن يلتفت المشرع إلى صوت المهنة قبل فوات الأوان، فإن خيار التحكيم الملكي يبقى مفتوحاً، لعله يكون الملاذ الأخير لإنقاذ محاماة مغربية تستحق أن تبقى حرة، مستقلة، وشريفة.
المحاماة خط أحمر، والمشروع بصيغته الحالية لا يمكن أن يمر.