
قنطرة أكاوز تحت الاختبار… حين تكشف الأمطار ما وراء الإسمنت والحجر
ليست كل الصور مجرد مشاهد عابرة، فبعضها يختزل معاناة منطقة بأكملها، ويختصر في لحظة واحدة أسئلة ظلت معلقة حول واقع البنيات التحتية بالعالم القروي. ومن بين هذه الصور، تبرز وضعية قنطرة أكاوز، التي تعكسها المشاهد الملتقطة يوم 11 أكتوبر 2026، لتعيد إلى الواجهة قضية طريق حيوية يُعوّل عليها في فك العزلة عن عدد من الدواوير، من بينها أيت لحسن وتالبورت وأإوولا، ومحيطها القرويالتابع ترابيا لجماعة سيدي غانم اقليم شيشاوة .
في هذا المشهد، لا يتعلق الأمر بمجرد قنطرة تحاصرها المياه، ولا بطريق تأثرت بالتساقطات المطرية، بل بمنشأة يفترض أن تؤدي وظيفة أساسية لضمان استمرارية التنقل وتأمين التواصل بين السكان ومحيطهم، حتى في الظروف المناخية الصعبة.
الأمطار سبب طبيعي، لكن الاستعداد لها مسؤولية تقنية.
لا أحد ينكر أن الأمطار الغزيرة والسيول قد تتجاوز أحياناً التوقعات، وأن الطبيعة تفرض تحديات حقيقية على المنشآت الطرقية، خصوصاً في المناطق الجبلية والقروية. غير أن هذا المعطى لا يلغي ضرورة التساؤل عن مدى استحضار مخاطر الفيضانات وجريان الأودية عند إعداد الدراسات التقنية، واختيار الحلول الهندسية، وتنفيذ الأشغال.
فالمشاريع العمومية لا تُقاس فقط بسرعة الإنجاز أو بجمالية المنشآت عند افتتاحها، بل بقدرتها على الصمود والاستمرار في أداء وظيفتها. وهنا تحديداً تبرز أهمية دور مكتب الدراسات، والمقاولة المكلفة بالأشغال، والجهات المشرفة على المشروع، كلٌّ في حدود اختصاصاته ومسؤولياته.
هل أخذت الدراسة التقنية بعين الاعتبار طبيعة الوادي وحجم المياه التي يمكن أن تصله خلال التساقطات الاستثنائية؟ وهل روعي تصريف المياه وحماية أساسات القنطرة من الانجراف؟ وهل تستدعي الوضعية الحالية إجراء خبرة تقنية لتحديد طبيعة الأضرار ومدى تأثيرها على سلامة المنشأة؟
أسئلة مشروعة، لا تستهدف إصدار أحكام مسبقة أو توجيه اتهامات، وإنما تروم الوصول إلى الحقيقة وضمان ألا تتحول المشاريع التي أُنجزت من أجل فك العزلة إلى مصدر قلق جديد للساكنة.
حين تنقطع القنطرة، لا يتوقف الحجر وحده… بل قد تتعطل تفاصيل الحياة اليومية.
بالنسبة إلى سكان الدواوير المجاورة، تمثل الطريق أكثر من مجرد مسلك للعبور. إنها صلة بالمدرسة والمركز الصحي والسوق ومصادر الرزق، وهي أيضاً ضمانة للتنقل في الحالات المستعجلة. وكلما تعذر المرور، ازدادت كلفة العزلة، خصوصاً بالنسبة إلى الفئات التي لا تملك بدائل سهلة للتنقل.
ومن هنا، فإن معالجة وضعية قنطرة أكاوز ينبغي ألا تقتصر على تدخل استعجالي لإزالة آثار السيول، إن ثبتت الحاجة إليه، بل يتعين أن تشمل تقييماً تقنياً شاملاً، وتحديد أسباب الأضرار، واتخاذ التدابير اللازمة لحماية المنشأة وضمان سلامة مستعمليها.
كما أن التواصل الواضح مع الساكنة بشأن وضعية القنطرة، وإجراءات السلامة، والآجال المتوقعة للتدخل، من شأنه أن يعزز الثقة ويحد من المخاطر المرتبطة بمحاولات العبور في ظروف غير آمنة.
والمطلوب ليس البحث عن متهم، بل ضمان ألا تتكرر المعاناة.
إن الإنصاف يقتضي انتظار نتائج المعاينة التقنية قبل الحكم على جودة الدراسة أو التنفيذ، كما أن المسؤولية في تدبير المال العام تقتضي عدم الاكتفاء بتفسير كل ضرر بالعوامل الطبيعية، دون فحص مدى ملاءمة المنشأة للظروف التي أُنجزت من أجل مواجهتها.
فقوة المشروع لا تظهر فقط في الأيام العادية، بل تتجلى أساساً عندما توضع المنشأة أمام اختبار الطبيعة. وإذا كانت التساقطات الأخيرة قد كشفت عن صعوبات في وضعية قنطرة أكاوز، فإن تحويل هذا الاختبار إلى فرصة للمراجعة والتصحيح سيكون خطوة ضرورية لحماية الساكنة وصون الاستثمار العمومي.
وتبقى قنطرة أكاوز قضية تتجاوز الإسمنت والحجارة، لأنها ترتبط بحق الساكنة في طريق آمنة وبنية تحتية موثوقة، وبحقها كذلك في معرفة ما جرى والإجراءات التي ستُتخذ لتفادي تكراره.
فهل تتحول وضعية قنطرة أكاوز إلى محطة للمراجعة التقنية وتعزيز الوقاية، أم ستظل الساكنة تنتظر حلولاً لا تظهر إلا بعد كل تساقطات قوية؟
سؤال تطرحه الصورة، وتنتظر الساكنة أن تجيب عنه المعاينة الميدانية والقرارات العملية، لا الوعود وحدها.